الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالتسجيلالأعضاءالمجموعاتدخول

شاطر | 
 

 السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:27

سيد الشهداء سماحة السيدعباس الموسوي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:35

الفصل الأول: الولادة والنشأة في بلدة النبي شيت

من البيت الهاشمي
في بيت من بيوت الإيمان والتقى كانت ولادة السيد عباس الموسوي... المنتمي بأبويه إلى بيت النبوة... ولم يكن الارتباط بالبيت النبوي مجرد ارتباط قسريّ... وإنما كان ارتباطاً بالعاطفة والعمل... وبالأخص تلك العلاقة بسيّد الشهداء (ع)... الذي كان يعيش في وجدان الأبوين فكانت الأم تقرأ العزاء بنفسها.. من بيت إلى بيت على حبّ أهل البيت (ع).. وكان الأب يقيم مجالس العزاء كل ليلة جمعة في بيته حيث يحضر هذه المجالس المحبون الذين يتقربون إلى الله تعالى بحب أوليائه.

وعلى هذا المنهج سار هذا البيت الهاشمي الكريم... ورزق بولدين ذكرين تربيا في ذلك الجو المفعم بالعاطفة والحب والولاء... وفي الحمل الثالث... وكان ذلك في أواخر عام 1951وقد أحزن الأم أن مجلس العزاء الذي يقام في البيت لم يحضره إلا نفر قليل... فقالت لزوجها: فكر في إيقاف هذا المجلس لأن العدد الذي يحضر قليل... فقال يجب أن يبقى المجلس حتى ولو لم يحضر إلا شخص واحد... وانتهى الحوار هنا ولكن السيد أبا حسين ينهض من نومه قبيل الفجر على صوت زوجته التي أيقظته وهي تستغفر الله تعالى وتقص على زوجها ما رأت في منامها... حيث دخلت عليها نساء ثلاث... وأقبلن يعاتبنها على ما طلبت منه بشأن إيقاف المجلس... فسألت من أنتن فقلن زينت وسكينة ورقية... أتينا لنقول لك لا تحزني على قلّة الحضور ولا تطلبي من زوجك إيقاف مجلس أبي عبد الله الحسين (ع).. فلو لم يحضر أحد من الناس عندكم فنحن حضَّار هذا المجلس كل ليلة جمعة... ولم تكن أم حسين بعيدة عن هذه المفاهيم.. فهي تلك المرأة الذاكرة لله تعالى... والتي تعلّم القرآن للنساء في القرية... ففهمت الرسالة وقرأت معانيها بتدبر وعزمت على إكمال ما كانت بدأت به مهما كانت ظواهر الأمور... وتذهب أم حسين إلى أحد الرجال العلماء الأتقياء في القرية... وكان قد أوتي نصيباً من العلم... وتروي له ما جرى معها فبشرها بالخير.. وبأنها سوف ترزق صبياً وطلب منها أن تطلق عليه اسم عباس... وهكذا حصل. ويرزق الأبوان بهذا الصبي وأطلقوا عليه ذلك الإسم المبارك الذي طالما ذكر في مجالسهم كخير ناصر لخير قضية.

زهادة الطفولة
ويدخل السيّد عباس الموسوي إلى الدنيا طفلاً كبقية الأطفال يلهو ويلعب ولكنه يحمل معاني لا يحملها الأطفال عادة... فال‏طفل طماع إذا وجد شيئاً عند الغير طمع به حتى ولو كان عنده أضعاف ما عند ذلك الغير... وال‏طفل "عباس" كان زاهداً بما عنده وعند غيره... والطفل ينحاز إلى إخوته وأقاربه مهما حصل فإن اعتدَوا على أحد أو اعتدى أحد عليهم فإنهم معهم... ولا يعرفون للحق معنى وتلك هي الطفولة ويأبى الطفل "عباس" إلا أن يخترق هذه القاعدة أيضاً... فهو مع أخيه طالما أنه كان في موضع المظلوم... حتى إذا تحوَّل أخوه إلى ظالم فهو مع المظلوم حتى ولو كان الثمن هو المواجهة مع أخيه... وال‏طفل عادة يهرب من الأمر المخيف.. بينما هذا الطفل يقتحم الأهوال لكأن معالم السيد عباس "شهيداً" في سن الأربعين قد ارتسمت منذ الصغر... وكأن هذه الأخلاق قد نقشت في القلب الكبير لذلك ال‏طفل الصغير.

خصال الطفولة
إنها عناية الله تعالى التي أودعت هذه الأمانة في تلك البيئة ليكتسب منها الفضائل... ويشب على هذه الخصال ويأخذ ذلك الطفل من الأبوين حبّ أهل البيت(ع).. ويشعر الأبوان بهذه النعمة الكبيرة... صحيح أنَّهما رزقا مولودين قبله ولكن لهذا الطفل مميزات جعلتهما على ثقة من أن له مستقبلاً مميزاً... وكان لا بد لهذا الطفل من التدرج... وحيث أن المدرسة تشكل حقلاً من حقول التدرج في المجتمع لذلك دخل السيد الصغير إلى مدرسة النبي شيت الرسمية حيث شعر أساتذته بتفوّقه في مجالات العلم والتحصيل، فينال الدرجات الأولى.

ولم يكن تحصيل لقمة العيش أمراً يسيراً بل لا بد من التعب والجد والنشاط... وحيث أن موارد العيش في بلدة النبي شيت كانت قليلة حيث لا يملك الأهل أرضاً ليزرعوها... بل كان الأب يعتمد على عمله اليدوي. فهو يعمل في البناء منذ كان يافعاً... وبما أن هذا لا يؤمّن معه الوالد مستقبل أولاده... لذلك قرر الأب أن يسافر إلى الكويت ليعمل هناك. وتبقى العائلة في القرية التي كان الأب يأتي إليها في عطلة الصيف ثم يعاود السّفر من جديد حتى سنة 1958حين قرر الأب أن يأخذ معه عائلته إلى الكويت.

وتذهب العائلة إلى تلك البلاد ولكن لسنة واحدة. ثم يرجع الجميع إلى البلدة، ليقرر الأب بعدها الانتقال إلى الشياح في ضاحية بيروت الجنوبية.. وتنتقل العائلة معه إلى ذلك المكان الجديد... لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل حياتهم في بيروت.

ويتابع السيد عباس دراسته في مدرسة الساحل وكعادته كان من المتفوقين خلال سنوات الدراسة حتى انتهى من المرحلة المتوسطة... ولكن لم يكن الدرس والتحصيل وحده يشغل باله ويلقى بظلاله على حياته بل كانت هموم كثيرة لها دورها وذلك بسبب ما لهذه الشخصية من خصال وأوصاف من الصعب بمكان على من كان بهذا العمر أن يتملكها.

بين بيروت والنبي شيت
ولم تكن مجموعة الخصال التي وجدت في هذه الشخصية قد بعثت فيه فجأة وبلا مقدمات، بل إن هذه الأخلاق الكريمة كانت تعيش في داخله منذ أن كان طفلاً يتنقل في طفولته بين موطنه الأصلي في النبي شيت في البقاع وبين السكن الفعلي لأهله في منطقة الشياح في ضاحية بيروت الجنوبية والتي كانت الملاذ لكثير من أهل البقاع والجنوب الذين اضطرتهم مشكلات الحياة إلى النزوح إلى العاصمة من أجل تحصيل لقمة العيش.

وبين بيروت التي كان يعيش فيها طفولته في الشتاء... وبين البقاع، وبالتحديد بلدة النبي شيت التي كان يقضي فيها الصيف والمناسبات... تمكن أن يبني لنفسه منهج حياة... فهو كما ذكرنا نشأ في بيت متدين ملتزم تعرف من خلاله إلى نور الإسلام الذي ملأ قلبه حتى أنار له طريقه إلى النهاية...

ولم يكن الذين تعرفوا إليه وصادقوه وأحبوه لم يكونوا يعلمون عنه من الصفات إلا تلك الصفات التي عرفها عنه كل الناس فيما بعد والتي اكتسبها من خلال فهمه للإسلام وعيشه له، فهو وإن كان طفلاً إلا أنه يفكر بعقل الإنسان الواعي الكبير.. لقد كان يلعب كبقية أقرانه ولكن لم يكن اللعب ليأخذ منه كل وقته بل يع‏طيه ما يستحق من الوقت بحسب حاجات ذلك "الطفل" آنذاك... وهذه المزايا كانت حديث الأقارب والناس الذين عرفوا السيد في ذلك الوقت.. ولئن لم يقدر لنا أن نتعرف عن كثب على تلك المرحلة المهمة من حياته الشريفة فإن سيرة السيد عباس طفلاً كانت موجودة على لسان أقرانه وأقربائه... ويتحدثون بها على أنها أمر متواتر وثابت ولا غبار عليه.

لقد تمكن هذا "ال‏طفل" وببساطة أن يكوِّن شخصيته المميزة بدأً من اهتمامه بالقضايا الكبيرة وعيشه لها إلى علاقاته بأصناف الناس وكأنها مقدمة لأمر كبير سوف يقوم بتحمل أعبائه... إلى ثقة عالية بالنفس نابعة من ثقة كاملة بالله تعالى... إلى اعتقاد بأن التقدم إلى الأمام لا يمكن أن يحصل من خلال الآخرين وإنما الإنسان هو صاحب حركة التغيير في المجتمع (إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

حلمٌ يفوق الطفولة
لقد تعلم في المدرسة، واكتسب فيها شيئاً من العلم.. ولكنه لم يعتمد على ذلك وحده في حياته، بل أن ما تعلّمه من مدرسة الحياة واكتسبه كان أكبر بكثير مما يمكن لمدارس التعليم أن تع‏طيه لإنسان أو لمجموعة من الناس.

كانت تعيش في نفسه مجموعة تساؤلات يبحث عن أجوبة لها ولم تكن المدرسة وحدها كافية لتجيب عن أسئلته... بل إن كثيراً من هذه الأسئلة كان خارج الإطار الأكاديمي...

لماذا كان هناك حرمان... وهناك أشخاص سلبوا آخرين حقوقهم؟...

لماذا تشرد الفلسطينيون من أرضهم وأين العرب وحكام العرب وأنظمة العرب... وكيف تستطيع شرذمة أن تتسلل في ليل إلى مواقع الأمة فتحتل الأرض من خلال الحديد والنار والإعلام، بعد أن احتلت قلوب الحكام بالمكر والخديعة، وكيف يمكن للأمة أن تنهض من جديد لتنفض عن نفسها غبار السنين المتراكم؟ أو ليست هذه الأمة "خير أمة أخرجت للناس"... فلماذا تعيش هذا الواقع المظلم وهي التي مرت في ذلك الماضي المضي‏ء الذي كانت ترسل فيه الضياء إلى كلّ متلمس وطالب حقيقة؟ز...

لقد زادت هذه التساؤلات أمام السيد خصوصاً عندما عاشت شعوب العالم العربي ما سمي آنذاك نكسة حزيران عام 1967كتخفيف لواقع الهزيمة التي حلت بالأنظمة الخاوية وما أفرزته تلك الهزيمة من إحباط على مستوى الشعوب حيث انكشف لهذه الشعوب إفلاس تلك الأنظمة التي كانت قد ملأت الدنيا ضجيجاً وصخباً على المستوى الإعلامي ولكنها في الواقع العملي لم تست‏طع أن تصمد ولو قليلاً أمام المحتل الإسرائيلي.
لقد أورث هذا الواقع السي‏ء مرارة إلى أبناء ذلك الجيل الذين كانوا يحلمون بالتحرير وتكبر أحلامهم يوماً بعد يوم وهم يعيشون تحت تأثير وسائل الإعلام. وبدا الأمر وكأنه يبشر بزوال المحتل الإسرائيلي بين ليلة وضحاها... ولكن خابت الآمال ودفنت الأحلام وعاش أبناء جيل النكسة هماً وكآبة لا يوصفان.

الحلم يتحقق
[size=16]ولكن في نفس تلك الحقبة كانت بوادر نهضة.. بعيدة عن الحكام والأنظمة وبعيدة عن كل ما هو رسمي... تخرج إلى العلن عبر بدء الاعلان عن عمليات قامت بها مجموعات من أبناء الشعب الفلس‏طيني الجريح.. ضد العدو الإسرائيلي.. واست‏طاعت هذه العمليات أن تخرق حاجز الصمت ورغم كل العوائق است‏طاعت أن تفرض نفسها في واقع الأمة... وتع‏طي في نفس الوقت وبقوة كبيرة لأبناء الجيل اليائسين من الحكام والأنظمة... دفعاً معنوياً شعروا من خلاله بوجودهم من جديد وبأن هناك مجالاً يمكّنهم من أن يقدموا شيئاً لقضيتهم المقدسة ويشعر السيد مع أبناء جيله أنهم جزء من القوة الشعبية التي تتضمن العنفوان وال‏طموحات التي لا يحدها شي‏ء... فسكنت نفسه واطمأن باله ولكن بقي يبحث عن موطى‏ء قدم له في طريق المواجهة.

وإذ أخذت العمليات العسكرية للفلس‏طينيين تتصاعد كان لا بد من تأثير ذلك في أبناء الشعوب المواجهة.. إلى أن حصلت تلك المعركة المشهودة المعروفة بمعركة تلة الأربعين عام 68حيث خاض المجاهدون معركة قاسية وشرسة ضد العدو الإسرائيلي.. وفي هذه المعركة سق‏ط شهيد لبناني هو الشهيد خليل عز الدين الجمل الذي شاركت جماهير كبيرة في تشييعه.

وكانت هذه مح‏طة في حياة السّيد عباس الموسوي الذي شارك في تشييع الشهيد وعاد إلى بيته وهو شديد التأثر، وفي نفسه نتيجة هذا التأثر أن يقاتل كما قاتل خليل الجمل وغيره.. ولكن كيف يمكن له أن يقوم بذلك وهناك موانع كثيرة تحول دون الوصول إلى الهدف.

لقد كانت الخ‏طوة الأولى التي لا بد منها هي القيام بدورة عسكرية.. ولكن أين وكيف؟ لم يكن من الصعب على من يحمل هم قضية أن يصل إلى ما يريد... فإن هكذا تساؤلات قد يصعب الجواب عنها عند من لا يحمل هم قضاياه... فتضيع بين سؤال هنا وسؤال هنا.. ويجد المرء المبررات التي يعتبرها كافية لتسق‏ط عن "كاهله" هذه القضية التي لم يحملها أصلاً.. وإنما حملها شعاراً فحسب أراد أن يقلد من خلاله الآخرين ومضى يبحث عن مبررات للقعود فيما بعد..

... أما حينما يكون الأمر جدياً فإن السؤال يجد له جواباً.. وكان الجواب أن هناك دورات عسكرية تقام في الشام وكان لا بد من السؤال الآخر.. كيف يصل إلى هناك؟

ويذهب السيد عباس مع أحد أصحابه قاصدين الشام... ولكنهما لم يتمكنا من العبور عن نقطة الحدود بسبب المعاملات الرسمية التقليدية.. وحيث لم يسمح لهما بإكمال الطريق، قرر صاحبه الرجوع إلى بيروت.. فيما كانت المجازفة من السيد عباس حين عزم على التوجه إلى الشام عن غير نقطة المصنع فمشى سيراً على قدميه في الجرود القريبة من النقطة بحيث لا يراه أحد وأخذ يجد السير تارة على قدميه وأخرى على متن سيارة عابرة حتى وصل إلى مكانه المحدد.. وهناك توجه ببعض الأسئلة إلى القيمين على الوضع... ثم أبلغهم مقصده... فتم استقباله وبدأ الدورة العسكرية سريعاً.

ولأنه لم يخبر أهله عن مقصده وهدفه.. وحيث لم يرجع السيد عباس كعادته إلى البيت... استبد بهم القلق... ولم يعرفوا طعماً للراحة... سألوا في البداية بعضاً من أبناء المنطقة الذين تربطهم بالسيد عباس علاقة صداقة... فلم يعرفوا عنه شيئاً واستمر القلق لمدة ثلاثة أيام حين أخبرهم صاحبه الذي تركه عند الحدود بما جرى عليه، وأنه الآن في أحد معسكرات التدريب في الشام... فذهبوا إلى هناك.

ولم يكن البحث عنه هناك مسألة يسيرة... بل استمر لفترة ساعات طويلة من مكان إلى مكان وفي ظروف صعبة وشاقة إلى أن اهتدوا إلى مكانه وأسرعوا إلى لقائه.. وإذا به على الفراش وقد ربطت رجله وعلقت إلى أعلى بعد أن لفّت (بالجبس) نتيجة كسر تعرض له في إحدى الحصص التدريبية.. ولم يبد على ذلك الفتى الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره أي شعور بالألم رغم حجم الإصابة أو أي شعور بالغربة رغم المسافة الفاصلة بينه وبين أهله وهو المعروف بالمودة والرحمة تجاههم... وذلك بسبب القضية التي يعيشها والتي جعلت حداً فاصلاً بينه وبين الشعور بالغربة والألم... والندم أيضاً.

... ولم يتحمل الأهل أن يتركوه في تلك الديار... ولم يعد هو بالمقابل يملك من الأمر شيئاً، فحملوه معهم إلى بيروت وبالتحديد إلى مستشفى المقاصد ليكمل علاجه هناك حتى يتم شفاؤه بالكامل.

ويطلب السيد عباس من أبيه أن يأتيه بالصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع).. حيث عاش مع هذه الصحيفة المباركة لحظات شكلت منعطفاً في حالته الإيمانية وعندما شفي جزئياً طلب من أبيه أن يساعده للوصول إلى مسجد الشياح للصلاة وراء الشيخ محمد حسن القبيسي رحمه الله في كل يوم وكان يذهب مع سماحة الشيخ إلى منزله حيث كان عنده مجموعة من الأسئلة يطرحها عليه ويأخذ الجواب. وكان يتلقى عنده بعض العلوم الدينية الأولية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:36

[/size]مع السيد موسى الصدر كان البدء
في تلك الآونة كان هناك نجم بدأ يبزغ في سماء المنطقة.. وكان على قدر طموحات الكثيرين من الذين عاشوا مختلف التجارب المريرة... إنه السيد موسى الصدر الّذي جاء إلى لبنان وإلى مدينة صور بالتحديد ليكمل دوراً كان قد بدأه العلامة المجاهد المقدس السيد عبد الحسين شرف الدين رحمه الله.. صاحب المواقف الجهادية المشهودة والمؤلفات الكبيرة التي أغنت المكتبة الإسلامية.. واستطاع السيد موسى الصَّدر أن يمتلك أسلوباً جديداً في كلامه العذب وخطابه الفريد ونشاطه الاجتماعي المتميز.. جعل أبناء هذا الجيل يشعرون أنهم أمام نمط جديد من العلماء المجاهدين..

لقد رأى السيد عباس في السيد موسى الصدر، ذلك العالم الذي يحمل هم الفقراء والمستضعفين ويعيش آلامهم وآمالهم.. وفي نفس الوقت ينظر إلى القضية الأساس التي أصابت الأمة الإسلامية في الصميم... وهي الوجود الإسرائيلي في فلسطين.. على أنها قضية ينبغي أن تتمحور حولها مختلف قضايانا السياسية والاجتماعية والثقافية والإعلامية... إنه عالم الدين الذين جمع السياسة والدين معاً وليس هو ذلك الإنسان الذي يصلح "للدين" ويترك قضايا الأمة لأصحاب المبادى‏ء المستوردة..

وكان لا بد من التعرف على السيد موسى الصدر... الذي كان من عادته أن يأتي إلى الشياح لزيارة أحد السادة من آل الموسوي. وهو قريب لوالد السيد عباس... فيغتنمها فرصة ويرسل مع والده للسيد موسى أنه يرغب بلقائه والتعلم عنده.. وهكذا حصل وأعجب به عندما التقاه أيما إعجاب... وأعطاه موعداً في صور ليجري له الامتحان، الذي ينجح به ومن خلاله دخل إلى عالم طلب العلوم الدينية بشكل صريح وواضح، بعد أن هيأ ما يلزم من كتب وثياب وطعام للبقاء في مدينة صور والتزود فيها من علوم الإسلام على يد ذلك العالم الجليل.

ومع السيد موسى الصدر بدأت حياة جديدة للسيد عباس الموسوي فإنه الآن يعيش معه عن قرب... لقد كان السيد موسى بالنسبة إليه مصدر اعجاب عندما كان يسمع به أو ينصت إلى خطبة له أو محاضرة... ولكنه الآن عندما أصبح على مقربة منه فهو أشد إعجاباً به من ذي قبل... لأن الإعجاب مع البعد قد يكون ناتجاً عن مؤثرات خارجية... كما يحصل لكثير من الزعماء الذين يعجب بهم الناس من خلال الاعلام... وأما الاعجاب مع القرب فإنه يكون نابعاً من المعرفة العميقة بالشخص... ولا سيما مع شخصية مثل الإمام الصدر الواضح والعميق في آن معاً... ولم يكن السيد عباس بالشخص الذي يحتاج إلى مدة زمنية طويلة ليتعرف على هذه الشخصية الكبيرة ويسبر أغوارها ويأخذ الكثير من الشمائل الحلوة لصاحب هذه الشخصية، وأهمها فهم الناس والتعامل معهم من خلال تلك المعرفة.

... ورغم أن الرحلة إلى صور كانت الرحلة الطويلة الأولى للسيد الموسوي بعيداً عن الأهل... إلا أنه لم يشعر بالوحشة.. بل كانت هذه اللحظات إحدى أفضل لحظات الأنس في حياته... حيث عاش مع الكتاب يدرس ويقرأ ويطالع لا يضجر ولا يمل... منطلقاً من حرص كبير على الوقت حتى لا يذهب سدى.

صحيح أن صور ليست مكاناً بعيداً عن سكن الأهل... إلا أن ما وضعه أمامه من أهداف كان يحتم عليه أن يقضي وقته في المدرسة الدينية.. بين درس وقراءة وتحري بعض الإشكالات وحلها... حتى إذا استعصت عليه مسألة... سعى إلى البحث عنها من خلال تلك الشخصية المحبوبة لديه.

الرسالة الإلهية والشخصية العلمية
وكان أهله هم الذين يسعون إلى زيارته بين حين وآخر حيث كانوا يرون في كل مرة منه خلقاً وعلماً جديدين... جعلاهم يتحملون مرارة البعد عنه وحرارة الشوق إليه... وهو لا يقابلهم إلا بالبر والع‏طف واللهفة التي كانت تملأ قلبه ويتمنى لو يمكث بينهم أيام حياته كلها... ولكنها الرسالة الإلهية التي حملها أمانة في قلبه وعقله فجعلته يضغ‏ط على عواطفه ومشاعره وأحاسيسه.

مع السيد موسى الصدر ومدرسته الدينية رسمت الشخصية العلمية للسيد عباس... ومع السيد موسى الصدر وحركته التبليغية ونشاطه الاجتماعي ورسالته السياسية... رسمت الشخصية العملية له فكانت صور هي المهد لترسيخ القواعد العلمية والعملية في هذه الذات التي سيكون لها شأن كبير في المستقبل.. ولم يكن إعجاب السيد عباس بالإمام الصدر بلا مقابل ومن دون مبادلة... بل كان هناك إعجاب كبير من قبل الإمام بذلك الشاب اليافع حيث كان يتلمس فيه معاني الفضيلة من جهة ومعاني الجهاد والتضحية من جهة أخرى مما دفعه ليعطيه اهتماماً خاصاً استحقه بجدارة لأنه استطاع أن يتجاوز همه الشخصي ليحمل هموماً أكبر بكثير..

ولم يكن الوضع الاجتماعي والثقافي لمدينة صور الساحلية يؤهّلها لتكون مدينة لتلقي العلوم الدينية.. بل كانت في ذلك الوقت مدينة سياحية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من مظاهر بعيدة عن أجواء الالتزام من جهة، ومن جهة أخرى كانت مسرحاً للأفكار العقائدية والاجتماعية التي لا تنسجم مع الإسلام... ومن جهة ثانية هي مدينة يسكنها الكثيرون لطلب الرزق فيها.

ومع ذلك فإن السيد موسى الصدر قد اختار هذه المدينة التي ركّز فيها الإمام السيد عبد الحسين شرف الدين دعائم حركته الإسلامية الرائدة. فأسس فيها المدرسة الدينية لتكون من‏طلقاً للعمل الإسلامي على مستوى المنطقة... فالمدينة تصلح أن تكون ركيزة للعمل التبليغي... وهي في نفس الوقت مقصد ما حولها من القرى مما يجعلها ملتقى للأفكار والمبادى‏ء المتنوعة.

هكذا شاء الإمام الصدر أن يستفيد من هذه المدينة من أجل القيام بأعباء الحركة الإسلامية التي أسسها.

ولئن كان السيد عباس في ذلك الوقت غير قادر على القيام بمهام العمل التبليغي لصغر سنه من جهة ولاستغراقه في التحصيل العلمي من جهة أخرى فإنه تعلم الكثير من مبادى‏ء العمل التبليغي والنشاط السياسي في تلك الفترة التي قضاها في مدينة صور، لتكون ذخيرة في المستقبل.

ولكن كان لا بد للرحلة العلمية أن تكمل طريقها إلى مكان آخر حيث العلم والعلماء... فكان لا بد عند السيد عباس من التوجه إلى النجف الأشرف. وكانت هذه فكرة الإمام الصدر الذي أيقن أنه لا بد من إكمال المسيرة العلمية للسيد عباس وليست صور هي المح‏طة النهائية لتلك الرحلة العلمية... بل لا بد من الذهاب إلى النجف والتعرف على كل مظاهر العلم في جوار أمير المؤمنين(ع)... فكانت الفكرة التي تم العمل لها.. وقام السيد الصدر وقتها بالكتابة إلى صهره وابن عمه آية الله الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه موصياً إياه بالسيد عباس.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:39

الفصل الثاني: في النجف الأشرف

العزم والتوكل على اللّه
كان هناك عوائق تعترض ذهاب السيد الشهيد إلى النجف الأشرف ولم تكن هذه العوائق خافية عليه.. فإن صغر السن يحول عادة بين الإنسان وسفره... ثم إن نفس التغرب والبعد عن الأهل والوطن يجعل هذا الأمر شاقاً على الأقل بالإضافة إلى مجموعة من العوامل الأخرى... كل ذلك وقف السيد الشهيد أمامه ووضعه في حسابه... ولكنه بعزم التوكل على الله عز وجل اختار السفر إلى تلك البقعة من الأرض التي تشرفت بمولانا أمير المؤمنين (ع)، وبثلة من الأئمة الأطهار من أبنائه صلوات الله عليهم... وهذا هو السبب الذي حفظ النجف إلى يومنا كحاضرة للعلم والمعرفة.

وفي النجف الأشرف ولا سيما في المرحلة التي نتكلم فيها عن سيدنا الشهيد الذي رحل إليها سنة 1969وهو في السابعة عشرة من عمره... لم يكن هنالك ضبط لمن لم يكن في ذاته منضبطاً.. فالحوزات العلمية تفتح الطريق أمام الإنسان الذي يريد طلب العلم... ولكن في الوقت نفسه يمكن للإنسان أن يبقى عدة سنوات محسوباً على طلاب العلم وليس منهم إذ أن الامتحانات ومختلف الوسائل التي تلزم طالب العلم بعلمه لم يكن لها وجود فعلي بحجم الحوزة العلمية.

كان طالب العلم إذا شاء لنفسه أن يتعلم فإن هناك بحاراً لا تنضب موجودة أمامه وفي متناوله... فهناك العلماء الفقهاء وهم أساتذة الحوزة العلمية... وهناك موسوعات الكتب العلمية التي لم تترك مجالاً من مجالات العلم إلا وغاصت فيه... وهناك مجالس العلم والمذاكرة التي لا يمكن وصف حجمها وتأثيرها على العلماء وطلاب العلم على حد سواء... وطبعاً كل ذلك مشروط بالعزيمة وبالهدف الذي من أجله يسعى الإنسان ل‏طلب العلم وتحمل المشاق... والتقوى التي هي ميزان العمل الصالح ومقبولية ذلك العمل عند الله تعالى.

بين يدي النموذج والقدوة
كل ذلك كان أمام السيد عباس ماثلاً وواضحاً... وهو لم يفاجأ بكل ما حصل معه طيلة تلك المرحلة التي قضاها في النجف فهو قد أتى لطلب العلم وليس لنيل شي‏ء في هذه الدنيا وهو قد أتى ليكون فيما بعد من العاملين بعلمهم وليس ليجلس حبيس بيته بعيداً عن الأذى والضرر في سبيل الله تعالى... وهو أتى أساساً إلى النجف يحثه الخوف من الله على السير قدماً إلى الأمام... وبالتالي فليس هناك مجال لتضييع الوقت ولا سيما أنه وصل إلى يد أمينة تمثلت بالمرجع الكبير الذي مثل طموحات الشباب آنذاك حيث كان لسماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر رحمه الله مكانة علمية بارزة في الحوزة العلمية... وحضور فكري قوي في الساحة الإسلامية بشكل عام. وموقف عملي متميز على المستوى السياسي... فكان بالنسبة إلى السيد عباس نموذجاً فريداً. لم يصدق عندما بدأ ب‏طلب العلم عنده أنه فعلاً أمام ذلك العالم العابد المفكر المجاهد الذي يشار إليه بالبنان.

ومن خلال هذا الاحتضان قرر السيد أن تكون دراسته متميزة ولأن طلب العلم ليس غاية في ذاته وإنما هو امتثال لأمر الله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلم يحذرون). لذلك كان السيد الشهيد رضوان الله عليه قد وضع في حسابه ضرورة أن يأتي إلى لبنان من أجل القيام بمهمة التبليغ والدعوة إلى الإسلام المحمدي الأصيل الذي تعرف عليه من خلال دراسته في النجف وعلى مقربة من السيد محمد باقر الصدر قدس سره وكان موضوع التبليغ من أهم المواضيع التي حملها السيد الشهيد موصياً بها كل من التقاه في طريق التحصيل العلمي.. وضرورة المبادرة إلى التبليغ وأن لا ينتظر أن يصبح المرء "عالماً كبيراً" ليقوم بذلك لأنه في ذلك الوقت قد لا تبقى هناك أرضية صالحة للعمل لوجود كثير من الوسائل المضادة للف‏طرة والتي تعيث في الأرض فساداً من جهة... ولأن العالم إذا بقي مرتب‏طاً بساحته التبليغية ومواكباً لها فإنه عندئذٍ يكون أدرى بأمراضها وبالتالي أدرى بتشخيص الدواء لتلك الأمراض... وهذا ما كان يشجعه عليه السيد الصدر قدس سره.. وكان لا بد من التهيئة للقيام بالعمل التبليغي في الأوساط الشعبية فقام السيد عباس مع جملة من أخوانه طلبة العلوم الدينية بعقد ندوة أسبوعية يتكلم فيها بعضهم ويقوم البعض الآخر بتوجيه الأسئلة والإشكالات ثم بعد ذلك تجري عملية تصحيح لنقاط الخلل إن كان ثمة نقاط خلل في الكلام أو في رد الإشكالات...

سر الملتقى بين السيد عباس والشيخ راغب
بعد فترة من هذه الأجواء التي تمهد ل‏طالب العلم أن يكون مبلغاً أصبح السيد الشهيد قادراً هو واخوانه على القيام بمهمة التبليغ التي حمل همها منذ فترة طويلة.

أمضى السيد الشهيد أكثر من ثلاث سنوات متواصلة في النجف من دون أن يأتي إلى لبنان بالرغم أن العادة قد جرت على مجي‏ء ال‏طلاب النجفيين إلى لبنان سنوياً خلال فترة الصيف... وذلك بسبب انشغاله بالتحصيل وهو لا يريد أن يفرط حتى بالع‏طل الصيفية بل كان يستغلها للاستزادة من المنهل العلمي الفياض هناك.

وفي تلك المرحلة تعرف إلى رفيق دربه الشهيد السعيد الشيخ راغب حرب وكأن سراً من الأسرار جمع هذين العلمين الشهيدين.. في العلم والعمل وفي الجهاد... وأخيراً في الشهادة حيث استشهد السيد في الذكرى السنوية لشهادة شيخ الشهداء.

كان الشيخ راغب يعيش في قلب السيد عباس والعكس صحيح... ولمن لم يكن يدري كيف كانا سوياً في النجف الأشرف.. وفي الحوزة العلمية.. فلينظر إليهما كيف كانا بعد النجف.. في ساحة التبليغ والجهاد ومقارعة المحتل وكيف ينظر أحدهما إلى الآخر ويثق به..

لقد كان التعرف إلى أحدهما يعني التعرف إلى الآخر نظراً إلى ما يرب‏طهما من مواصفات ومؤهلات عظيمة... وأكثر من ذلك كان الذي يتعرف إلى أحدهما يتحين الفرص للالتقاء بالآخر نظراً إلى ما كان يسمع من أحد ال‏طرفين بحق الآخر وكأنه هو المثال الأعلى له في التحصيل وفي الحركة التبليغية وفي مواجهة الأخ‏طار... وقلما وجدنا شخصاً يعرف أحدهما من دون أن يعرف الآخر.

ولقد شكل هذان العالمان محور عمل واسعاً فيما بعد كانا قد بدأه في النجف حيث التدرج في التحصيل العملي.

السيد الشاب مبلغاً
في أول زيارة للسيد الشهيد إلى لبنان بعد ذهابه إلى النجف... وكان ذلك في سنة ..1973بدأ فعلاً بالعمل التبليغي من‏طلقاً من بلدته النبي شيت حيث كان يجتمع الشباب في البلدة يستمعون إلى محاضرة للسيد الشاب الذي لم يتجاوز آنذاك الحادية والعشرين من عمره.. وقد بدا التميز في كلام السيد عباس... فهو يمتلك قدرة خ‏طابية مميزة... زاد في ميزتها الأفكار المتماسكة التي تمكن السيد الشهيد من تحصيلها خلال سنوات قليلة.

وبسرعة تمكن من أن يجعل من النبي شيت من‏طلقاً لعمله الذي شمل القرى والبلدات المحيطة بها فكان يذهب إلى تلك البلدات وهو يضع في حساباته كل العوائق وما أكثرها في ذلك الوقت.. ولكن هذه المرة ليست وحده وإنما بصحبة رفيقة العمر وشريكته في تلك الحياة الإيمانية الرائعة... وأخيراً رفيقته في رحلة العروج إلى الله سبحانه وتعالى... إنها ابنة عمه التي نشأت في ذلك البيت الهاشمي الصالح... وهي التي لم يبحث عنها طويلاً لأن كثيراً من الطبائع كانت تجمع هذين الزوجين... وليس غريباً أن يستشهدا معاً بعد حين... وتبدأ مرحلة جديدة في حياة سيدنا الشهيد.. ويبدأ ببناء ذلك البيت العامر بالإيمان.. لقد وفقه الله في درسه وعلمه حيث نهل من علوم أهل البيت (ع).. ووفقه الله برفاق درب وأولهم شيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب.. ووفقه الله بزوجة صالحة عاشت معه حلاوة الإيمان، وأنسته مرارة الحياة المادية.. من خلال ذلك الإيمان العامر الذي ملأ قلبها وبيتها.. فكان السيد يعيش الاشراقات الروحية في المسجد وفي المجلس وفي البيت.

طموح بلا حدود
وطموحات السيد لم تكن لتقف عند حد فإنه الآن في بداية الطريق ولا بد من المعاناة للوصول إلى النهاية... وليست النهاية هي نهاية دراسة علمية... بل هي نهاية هذه الحياة الدنيا التي هي معبر وممر إلى الحياة الأخرى.

لقد وضع السيد عباس أمامه مرحلة يجب أن يقطعها وهي أن يؤسس مجموعة من طلبة العلوم يحملون هذا الهم وهذا الفكر وهذه العقلية ويقفون في وجه الظالمين من خلال ما تعلموه من أحكام الإسلام ومفاهيمه ومبادئه.

هذه المهمة لم تكن سهلة.. فالأرض ليست ممهدة للقيام بذلك فسعى إلى ذلك بكل جهد وتفانٍ بالرغم من خطورة المرحلة... فهو أحد المعروفين بولائهم وعلاقتهم بالشهيد السيد محمد باقر الصدر... وهذا ما جعله مراقباً من قبل أجهزة الحكم في العراق... وهذا ما يجعل الإنسان عادة يحسب حسابات كثيرة قبل القيام بأي حركة وذلك حرصاً على حياته... ولكنه كان قد عزم وتوكل على الله وسار نحو مبتغاه...

كانت المرحلة تتطلب جداً واجتهاداً من الطلاب الذين يصف بعضهم تلك المرحلة بأنها مرحلة "النهم العلمي" حيث لم يكن الطلاب يعرفون اسم اليوم الذي يعيشون فيه... فإن العادة جرت على تدريس خمسة أيام وتعطيل يومين في الأسبوع. بالإضافة إلى المناسبات التي تفرض تع‏طيلاً عن الدرس أيضاً... وكأن تلك العطل أيام الخميس والجمعة هي العلامة على الأيام... فعندما كان السيد الشهيد يدرس حتى في أيام الخميس والجمعة... فقد غابت علامة الأيام، لقد كانت أياماً فيها من التعب الشديد والعناء ما يصعب وصفه ولكنها من أجمل مراحل هذه الحياة... إنها الدعامة التي يبني الإنسان عليها بناءه الفكري والعلمي وهذه نقطة وليست هي كل القضية.

شعائر الولاء
في العراق ينبغي أن تكون الإنطلاقة من مولى المتقين أمير المؤمنين (ع).. إلى الحسين (ع) شهيد كربلاء... إلى سائر الأئمة بعد ص‏لوات الله عليه‏م... الذين بذلوا مهجهم في سبيل الله سبحانه وتعالى فكان لا بد من المشاركة في شعائر الولاء لأولياء الله... والتي هي ترجمة عملية لما يتعلمه المرء في حواضر العلم... ولم يكتفِ السيد الشهيد بالمشاركة في هذه الشعائر بل كان دافعاً ل‏طلابه ليكونوا كذلك أيضاً.

كانت هناك مجموعة من مظاهر الولاء لأهل البيت (ع). فالمشاركة في إقامة مجالس العزاء تمثل مظهراً من تلك المظاهر وإقامة هذه المجالس في البيوت تشكل مظهراً أيضاً إلا أن بعض المظاهر قد يشكل تحدياً للسل‏طة الظالمة فتمنع ذلك النوع من المظاهر كما هو الحال آنذاك بالنسبة إلى المسيرة الحسينية التي تن‏طلق من تخوم النجف الأشرف إلى مرقد سيد الشهداء الحسين (ع) في كربلاء ويبلغ طول المسير فيها حوالي ثمانين كيلومتراً... وهي مسيرة تعني الولاء لذلك البيت ال‏طاهر... ولهذا رأت فيها السلطة مصدر خطر فقررت منعها مريدة بذلك تقويض دعائم الإسلام عبر الغاء مثل هذه الشعائر.

كانت هذه السيرة وغيرها من المظاهر من الدعائم التي أراد سيدنا الشهيد أن يرسي دعائمها بين طلابه... وكان لها الأثر الكبير والطيب لكل من أكمل معه مسيره الطويل.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:40

الحب والولاء لسيد الشهداء (ع)
من يطلع على سيرة السيد عباس الموسوي يدرك أن علاقته لسيد الشهداء الإمام الحسين (ع) لم تكن مجرد علاقة عابرة تتجلى في شعارات ظاهرية فحسب ثم يعود بعدها إلى حالته الأولى، بل أن المطّلع على حياته في مختلف جوانبها يدرك أن قلبه ينبض بحب الحسين (ع).. فهو بالنسبة إليه يمثل العاطفة التي تحرك الجوارح نحو الهدف المنشود... ومن الصعب على من لا يعيش روح الحسين (ع) بعاطفته، بقلبه، بمشاعره أن يفهم هذه المسألة بشكل واضح، إذ أن المسألة ليست مسألة حسابية أو حتى فكرية ليسهل فهمها بالعقل.

ومن هنا كانت الشعائر الحسينية ذات موقعية كبيرة لدى السيد... من زيارة الحسين(ع).. إلى المجالس الحسينية إلى الندبيات الحسينية إلى التَّركيز على الشعارات الحسينية.. كل ذلك كان واضحاً في سيرته حيث كانت النجف وكربلاء المسرح الأول لها.. ومن هنا فلم تكن المسيرة الحسينية التي شارك فيها بين النجف وكربلاء مجرد نزهة وإنما هي ترجمة عملية لحب وولاء بسيد الشهداء من جهة... ومناسبة للتزود بالعزم والقوة من جهة أخرى. فهي كانت البداية لا النهاية. ومنها أراد أن تكون الإنطلاقة للجميع مع العلم، العمل المعطّر بحب أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم، فإن من أحب محمداً (ص) وأهل بيته الأطهار (ع)، سلك سبيلهم وسبيلهم طريق ذات الشوكة.. وإلا فالعلم وحده لا ينفع الإنسان إذا لم يكن معه ولاية، والولاية ليست فكرة مجردة في العقل وإنما الولاية الحقيقية تعني خشوع القلب الذي تنقاد وتخشع له الجوارح.

نعم هذه هي المشاعر التي كانت تعيش في قلبه وهو في النجف يطلب العلم وهذا ما أراد أن يكون طلابه عليه، تعلمهم ذلك سيرته وأخلاقه قبل أن يعلمهم بأدوات التعليم... ومن هنا كان مميزاً حتى في الدروس التي كانت تنطلق من قلبه قبل لسانه... وهذا ما أراد للآخرين... أن يكونوا عليه.

وكان يكفي أن يشارك السيد عباس في المسيرة ليشارك الطلاب بها حتى ولو لم يطلب منهم المشاركة.. هكذا يكون المعلم الحقيقي... فهو قبل أن يكون أستاذاً لمادة علمية فهو مربٍ للأجيال..

وفي هذه المسيرة الحسينية شعر المشاركون معه بروحيته العالية ودماثة أخلاقه... وحسن عشرته... ومدى المسؤولية التي يحملها حيث كان يستغل هذه المناسبة ليعرفهم أكثر على الأعباء التي حملها الإمام الحسين (ع) وأنه مطلوب منا إكمال هذه السبيل مهما بلغت التضحيات... هذا مع أن نفس هذه المسيرة كانت محفوفة بالمخاطر... لأن كل خطوة فيها يتعرض المشارك معها لخطر القتل لذلك كانت تعني ما تعنيه.

وتنتهي هذه المسيرة على أبواب كربلاء ولكن آثارها لا زالت ماثلة أمام كل من شارك فيها... وكأن هناك سراً من أسرار الله تعالى كان موجوداً وحاضراً عند هؤلاء الذين أدركوا أن المسيرة العلمية لكي تفلح وتنجح فلا بد لسيد الشهداء (ع) أن يكون حاضراً فيها وشاهداً عليها.


الإسلام العلم والعمل والجهاد
لم يكن حمل الإسلام شعاراً يرفع من دون تبعة... بل كان ولا يزال يعني تحمل الأعباء... وحمل المسؤولية الإلهية الكبرى... ولذلك كان لا بد من تحديد الإسلام... فهل الإسلام عبارة عن عبادات تمارس سراً أو جهراً، كما يفهمه البعض. أو أنه زيادة على ذلك هو عبادات ومعاملات تحاول أن ترسم طريقة للتعامل بين الناس في الحياة كما يفهمه بعض آخر أو أن الإسلام هو ذلك الدين الذين ختم الله به رسالاته وهو يتدخل في كل شأن من شؤون الإنسان والحياة.

لقد تمكن السيد الشهيد في هذه المرحلة أن يتعرف على الإسلام من خلال ما قرأه وسمعه من أستاذه الشهيد السيد محمد باقر الصدر قدس سره الذي جمع بين العلم والعمل والجهاد والمعرفة حيث أن العالم ينبغي أن يكون محركاً للجميع نحو الإسلام المحمدي الأصيل فيكون هناك عندئذٍ انسجام بين العلم الذي يتلقاه في الحوزة العلمية وبين الحياة. أما أن تكون دروسه في الحوزة مجرد دروس نظرية لا أثر لها في الحياة العملية له وللمجتمع فهذا مضيعة للوقت وإبعاد للعلم عن هدفه في رفع شأن المجتمع.

وهنا نأتي إلى السيد عباس الذي أدخل بعض المواد العلمية في المنهج التعليمي ولم يكتف بدراسة الفقه وأصوله لأن هذا وحده قد ينفع الطالب في رحلته العلمية في عالم الفقه والأصول ولكنه لن ينفعه في تبليغ مفاهيم الإسلام إلى المجتمع.

وبناءً على ذلك دخلت كتب الشهيد آية الله السيد محمد باقر الصدر إلى عالم التدريس عنده لأنها في ذلك الوقت كانت أفضل ما يمكن أن يوصل إلى تعريف الإسلام من مجموعة الكتب الموجودة بالعربية... وهي كتب رائدة في مجالاتها حازت على إعجاب أهل الثقافة والفكر من أق‏طار العالم العربي والإسلامي كافة.

ولم يكن هذا الخيار الذي اختاره السيد عباس الموسوي خياراً سهلاً بل كان من جهة موضع استغراب كثير من أهل العلم وطلابه آنذاك الذين لا يرون قيمة لسوى الفقه والأصول ومقدماتها... ومن جهة أخرى مثار غضب السلطة الجائرة التي ترى في هذا النوع من العلم والعلماء عظيم الخطر عليها ولا سيما في تلك المرحلة التي بدأت فيها بوادر نهضة إسلامية فكرية تظهر للعلن وفي أكثر من بلد من بلاد الإسلام.

ومن هنا أخذت الهجمة على الحوزة العلمية أبعادها الحقيقية، هجمة على الإسلام الأصيل الذي ي‏طرح نفسه بقوة بديلاً عن الأنظمة الوضعية... والتي أساساً بنيت لمحاربة هذا الإسلام... وكان لسيدنا الشهيد دور بارز في أوساط طلاب العلوم في حاضرة العلم أو في مواسم التبليغ حين يأتي إلى لبنان.

إن الحوزات العلمية التي هي منارة للوعي والفكر هي العدو الأول للأنظمة المستبدة التي ترى فيها مصدر خطر كبير على وجودها وتتحين الفرص للقضاء عليها، وهذا ما كانت تحلم به الأنظمة المستبدة المتعاقبة على الحكم حيث كان يجمع هذه الأنظمة... العداء للإسلام الأصيل مع أنها تختلف فيما بينها في أكثر الأشياء.

مرارة البعد عن ديار الأئمة (ع)
كانت السلطة التي لا تزال تحكم العراق إلى يومنا هذا منذ ما يقرب من ثلاثين سنة... قد بدأت حملة شرسة ضد الحوزة العلمية، فاعدمت سنة 1974ثلة من العلماء المجاهدين العراقيين... وهجرت عدداً كبيراً من العلماء الإيرانيين وبشكل بعيد كل البعد عن الإنسانية والحضارة. مع أن هؤلاء حقيقة صاروا جزءاً من المجتمع العراقي والنجفي بشكل خاص وهم ولدوا في هذا البلد ونشأوا فيه ولم يذهبوا مرة واحدة إلى إيران... ومع ذلك شتت هذا النظام المستبد هذه الجماعة من أهل العلم التي تركت ديارها وسكنت النجف ورأت فيها موطنها الأصلي...

وكانت بعض حالات التهجير مما يدمي القلب فقد اعتقلت السلطة آباء وأمهات من هذه العوائل العلمية في وقت كان أولادهم في المدارس... وعندما عاد الأولاد إلى بيوتهم كان الأهل قد وصلوا إلى الحدود الإيرانية العراقية... إلى ما هنالك من مآسٍ أخرى.

وجاءت سنة 1977وخصوصاً أواخرها حيث جاء دور البقية من طلاب العلوم الإسلامية ولا سيما طلاب العلم اللبنانيين، فاعتقلت السلطة الكثيرين منهم بتهم شتى والتهم حاضرة على كل حال، ثم توقفت السلطة عن الاعتقال لأسابيع قليلة لتمتص النقمة أو لترى ردة الفعل على هذا العمل. ثم ما لبثت أن أكملت عملها في الإعتفال والتهجير تحت ستار عدم شرعية وجودهم في العراق لأنهم كانوا قد حضروا سنة 1977إلا أنها بعد ذلك قامت فاعتقلت الكثيرين ممن ولدوا في النجف الأشرف.

في ذلك الوقت كان السيد الشهيد قد أتى إلى لبنان للتبليغ كعادته في شهر محرم الحرام حتى علم بالاعتقالات وعلم أن اسمه يأتي في رأس قائمة المطلوبين للسلطة. ومع ذلك فهو لم يخف بل أراد العودة إلى النجف لولا أن أستاذه السيد الصدر قدس سره أمره بالبقاء في لبنان ريثما تنجلي الأمور ولا سيما أن السيد الصدر رضوان الله عليه كان يعلم أن السلطة إذا ألقت القبض على السيد عباس فلن يكون هناك مجال لإنقاذه من مخالبها.

فبقي السيد في لبنان أياماً عاش فيها مرارة البعد عن ديار الأحبة من أئمة أهل البيت (ع)، وطلاب العلم إلى أن انجلت تلك المرحلة عن ترحيل الأكثرية من هؤلاء بعد الزج بهم في السجون... حين خرج السيد الشهيد من النجف آنذاك للتبليغ في لبنان لم يكن يدري أنها المرة الأخيرة فهو خرج بلا وداع على أمل الرجوع إلى النجف وطلاب العلم... وحين زار الأئمة (ع) لم يزرهم زيارة آخر العهد في الدنيا بل كان يأمل أن يرجع فيزورهم في كل يوم. وحين ودع طلابه.. ودعهم لأسابيع قليلة لأنه سيلتقي بهم بمشيئة الله بعد فترة وجيزة... وفعلاً حصل اللقاء بعد هذه الفترة... إنما في لبنان وذلك بعد أن تهجر طلابه مع من تهجر، وأخذوا يتوافدون إلى لبنان الواحد تلو الآخر وكان السيد ينتظر في م‏طار بيروت لعل ال‏طائرة القادمة من بغداد، تحمل إليه بعض هؤلاء، إلى أن جاء شهر شباط سنة 1978حين أتت آخر دفعة من اللبنانيين عبر م‏طار بيروت بعد أن سبقتها مجموعات من الطلبة... بعضهم عبر المطار وبعضهم وضعوا على نقطة الحدود الفاصلة بين العراق والأردن في ظروف قاسية صعبة.. حتى وصل الجميع إلى لبنان... واجتمع الشمل من جديد... وبكى الجميع تأثراً على النجف واللحظات التي أمضوها هناك ولكن كان لا بد بعد البكاء واللوعة والحزن والحسرة... لا بد من السؤال ما العمل؟؟ هل ننتظر العودة إلى النجف؟ وهل بأيدينا الرجوع إلى تلك الديار؟ أم هل نذهب إلى قم التي كانت ارهاصات ثورتها التي أذهلت العالم فيما بعد قد بدأت بالخروج إلى العلن؟... أم نبقى في لبنان؟ كان التفكير مضنياً وشاقاً مع أن الخيارات كانت واضحة وتؤدي إلى نتيجة واضحة... فالرجوع إلى النجف ضرب من الخيال لأن الذي أخرجنا منها لا يزال يمعن ذبحاً وتهجيراً لكل من يخالفه... والذهاب إلى قم لم يكن متيسراً، فمن جهة ليس بالإمكان تحصيل تأشيرة الدخول إلى إيران آنذاك ومن جهة أخرى لم يكن الوضع في الحوزة العلمية يسمح بالدراسة نظراً إلى الحالة الأمنية المض‏طربة فكان الخيار الوحيد الباقي هو المكث في لبنان والإقامة في هذا البلد الذي لم يكن بأكثر مناطقه صالحاً لإقامة صرح علمي فيه... ولكنه في البداية كان خيار الضرورة فقد أقفلت أمامهم كل السبل المؤدية إلى تحصيل العلم في مدائن العلم وحواضره العريقة ووقع الخيار على بعلبك التي لم يكن اختيارها في البداية وارداً، ولم يكن لهذه المدينة تاريخ علمي حوزوي قريب... نعم كان هناك نشاط منذ عقود من الزمن للعلامة المقدس الشيخ حبيب آل إبراهيم المعروف بالمهاجر، وقد أثر أثراً كبيراً في الشارع الإسلامي من المن‏طقة عموماً وكان مثالاً بارزا للعلماء الصالحين الذين يذكرون الله سراً وعلانية ويملأون أرض الله حيوية ونشاطاً في الدعوة إليه.

ولكن المنطقة تحتاج إلى صرح علمي ليتمكن من تخليصها من براثن الجهل من جهة ولا مبالاة السلطةالمضطر الحاكمة من جهة أخرى.

وعلى أي حال لقد تم اختيار هذه المنطقة في البداية كخيار الإنسان المض‏طر.. ولم تكن بعلبك تدري كما لم يكن الراحلون إليها يدرون أنهم يخطون الخطوة الأولى لبناء جيل جديد سوف يكون له ذات يوم تأثير كبير ليس على المدينة فحسب وليس على المن‏طقة المحي‏طة بها وحدها وإنما على هذا البلد بأكمله بل تجاوز ذلك فيما بعد... كما سوف يتبيّن لاحقاً إن شاء الله تعالى وعقد أولئك الذين كانوا سوية في النجف.. العزم مرة أخرى ليكونوا مع بعضهم من جديد في بعلبك. ومرة جديدة مع أستاذهم ومربيهم السيد عباس الموسوي الذي لم يكن يشعر معه المرء بالغربة والبعد عن الوطن وديار الأحبة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:48

الفصل الثالث: في بعلبك


بعلبك مهداً للحوزة العلمية
رغم كل الظروف التي أحاطت بوضع المنطقة وأبعدتها عن الساحة العلمية فترة طويلة من الزمن إلا أن هناك مجموعة من العوامل كان لها الأثر في اختيار مدينة بعلبك بالخصوص لتكون مهداً للحوزة العلمية... ولم يكن الاختيار على أساس أنها المن‏طقة التي ينتمي إليها سيد شهداء المقاومة الإسلامية... وإن كان هذا بحد ذاته يعتبر أمراً راجحاً... فإن عائلته الكريمة قدمت الكثير من العطاءات للإسلام... وإمكانية أن يستفيد من ذلك لإنشاء قاعدة صلبة تخدم الهدف المنوي القيام به...

كل هذا صحيح وقد أثبت صحته في الواقع العملي فيما بعد إلا أنَّه لم يكن السبب لذلك الاختيار بل كان هناك أمور أخرى.


أ فهناك الوضع الأمني حيث أن بقية المناطق اللبنانية كانت عرضة لوضع أمني سيء فرضته الحرب الأهلية اللبنانية أو القصف الإسرائيلي ما يمنع من قيام صرح علمي... وبعلبك التي تقع في شرقي لبنان كانت بمنأى عن القصف الإسرائيلي من جهة، ولم تصل إليها شرارة الحرب الأهلية التي أشعلت أكثر المناطق اللبنانية، من جهة أخرى... وإن كان كثير من أبناءها كانوا ضحايا في الحرب.. إلا أن هذا شي‏ء وأن تكون المنطقة بنفسها مسرحاً للأحداث الدامية، شي‏ء آخر هذا الذي توفر في بعلبك لم يتوفر في أي من‏طقة أخرى من المناطق التي يمكن أن تحتضن حوزة علمية لتكون منارة في المجتمع فيما بعد.

ب وهناك الاحتضان لتلك الحوزة حيث أن قيام صرح علمي لا بد معه في جهة تحتضنه. وهذه الجهة إما أن تكون جهة رسمية أو جهة سياسية أو شعبية... ولم يكن بالامكان إلا الاحتضان الشعبي فإن الجهة الرسمية أبعد ما يكون عن تبني هكذا مراكز، ولم يكن هناك جهة سياسية قادرة على العمل المنسجم مع جو الحوزة العلمية وبالتالي فإن العمل الحوزوي يبقى بلا سقف وهكذا هي طبيعة الحوزة العلمية العاملة في مدرسة أهل البيت (ع). فإنها لا تعيش هم الغطاء الرسمي أو السياسي. وليس هذا مبرر وجودها، وإنما هذه الحوزة تعيش هم الغطاء الشعبي فإذا استطاعت أن تكون عند جماهير الناس وآمالها فإن هذا وحده يعتبر كافياً لوجودها.

ومنطقة بعلبك والبقاع بشكل عام تتميز بهذه الصفة التي وجدها من قبل مجموعة من العلماء. وكان آخرهم الإمام السيد موسى الصدر الذي استطاع أن يحمل أهل المنطقة مسؤولية الدفاع عن المقدسات وتمكن من تجنيد الكثيرين منهم للدفاع عن الجنوب اللبناني وتشهد لهؤلاء المجاهدين تلال الجنوب وخصوصاً الطيبة التي كان لهم فيها محاور خاصة.

كان هذا الشعور عند أبناء المنطقة لافتاً، وكنا نشعر في بدايات عمل الحوزة العلمية هناك في أوائل سنة 1978أنهم يتحملون مسؤولية هذا العمل الكبير الذي كان حديث الناس آنذاك... وهذا هو الذي ساهم إلى حد كبير ببداية الحوزة العلمية واستمراريتها وصيرورتها مرجعاً وملاذاً للناس في مختلف شؤون حياتهم الدينية والسياسية والاجتماعية وحتى الفردية.

ج وهناك الحاجة الفعلية لقيام عمل يرجع هذه المنطقة إلى موقعها الطبيعي في خدمة قضايا الإسلام الكبرى... فإن هذه المنطقة أريد لها من خلال الأنظمة المتعاقبة أن تبقى في غمرة الجهل والفقر وكل منهما يمكن أن يؤدي إلى الكفر... فكيف إذاً اجتمعا... ولئن لم يكن بالإمكان دفع الفقر عن الناس.. فإن بالإمكان إقامة مهد للعلوم يكون له أثره ال‏طيب فيما يلي من الأجيال.

لم تكن الأمور المادية متاحة للقيام بأي حركة في مجال بناء حوزة علمية ولذلك سعى السيد الشهيد لتأمين مركز مؤقت.. فتم استئجار شقة من غرفتين في بادى‏ء الأمر لمدة شهرين ثم بدأت الحوزة بالتنقل من مكان إلى مكان آخر في مدينة بعلبك إلى أن استقرت ولمدة طويلة في المبنى المجاور لمسجد الإمام علي (ع) في المدينة.

في تلك الفترة حيث الوضع المادي سي‏ء للغاية والانقطاع إلى طلب العلم له ثمنه الذي يجب أن يدفع... يبرز عندئذٍ الإنسان من خلال طاقاته الذاتية وإمكانياته الشخصية بعيداً عن الامكانيات المادية فإن الإمكانيات المادية قد تتيح لشخص أن يؤسس.. ولكن مرحلة ما بعد التأسيس لا تنفع فيها كل تلك الامكانيات إذا لم توجد الروحية العالية التي من شأنها إمداد المجتمع بالمعنويات.

لقد أعطى السيد الشهيد للحوزة في بعلبك كل جهوده واهتماماته ومعنوياته قبل أن يقدم لها شيئاً من الع‏طاء المادي الذي كان لا يملك منه شيئاً وليس هناك لحظات تماثل هذه الفترة التي رافقت ان‏طلاقة الحوزة صفاءً ولا يمكن فصلها وتجريدها عن السيد الشهيد.

لقد تمكن السيد الشهيد أن يتجاوز كل الحواجز التي تحول دون قيام صرح علمي... كل ذلك من خلال روحيته العالية التي انعكست على الوضع بأكمله.

ويمكن أن نذكر مجموعة من الأمور التي ميزت ارتباطه بالحوزة عند بدايات التأسيس وبقيت تفاعلاتها إلى الآن.
أولاً الجو الروحي
إضفاء الجو الروحي على ذلك الصرح العلمي حتى تكون الان‏طلاقة صحيحة... وذلك من خلال اجتماع الطلاب قبل بداية الدوام لقراءة دعاء الصباح لمولانا أمير المؤمنين (ع)، ومن الصعب على المرء أن يعبر عن تلك الحالة الروحية التي تميزت به هذه الأجواء... وكيف كان يشعر كل واحد من الطلاب في رحاب فقرات الدعاء... وأي عالم كان يصل إليه عندما يتخيل أن أمير المؤمنين (ع) هو الذي كان يتلوها... إن هذا وجدان لا يمكن للكلام أن يعبر عنه. نعم يمكن أن يتكلم المرء عن آثاره... وعن بعض جوانب التوفيق الإلهي الذي حالف هذا العمل والذي لا يمكن تجريده عن هذا الدعاء وغيره من الأمور التي رافقت بداية هذا العمل.

ثانياً معرفة معاناة الطلاب
عيشه الدائم مع المشاكل التي يعاني منها طالب العلم، فإن هذا الطالب هو إنسان قد انقطع عن أهله وبلده وهو يعيش بعيداً عنهم فإذا بقي فريسة للمشاكل المتنوعة فهذا يعني أنه لن يتمكن من طلب العلم أبداً.

ولذلك كان السيد قدس سره يسارع لمعرفة أوضاع الطلاب عسى أن يكون مساهماً في معالجتها... وهذا لا يزال ذكرى في قلب كل طالب عاش تلك المرحلة مع السيد الشهيد وشكل حافزاً عند الكثيرين ليكونوا على مقربة ممن يعملون معهم ليعيشوا همومهم ولكي لا يتركوهم يعيشون الهم والغم في لحظات الوحدة.

ثالثاً أثر التواصل مع الطلاب
التواصل الدائم مع طلاب الحوزة ليلاً ونهاراً مع بعد المسافة بين البيت والحوزة... وهذا يتطلب جهداً كبيراً... ولا أزال أعيش آثار ذلك المسير اليومي الذي كنا نقطعه ليلاً لنصل إلى هناك... لقد كان الحضور بين الطلاب في ساعات مختلفة من الليل والنهار أثر كبير في الجو الروحيّ والنفسي والعلمي...

صحيح أن طلب العلم يكون الاندفاع نحوه ذاتياً، ولكن الصحيح أيضاً أن المراقبة من قبل الجهة المسؤولة والمحاسبة لها دور كبير أيضاً، لقد كانت الزيارات المفاجئة للسيد الشهيد إلى الحوزة ذات أثر كبير في التحصيل العلمي.. فكان هناك رهبة يخاف منها المقصّر رغم الحنان المتميز في شخصيته المقدسة.

رابعاً العلاقات مع المحيط الخارجي
بناء علاقات متينة للحوزة العلمية مع محي‏طها لأن هذا يعتبر التحصين الخارجي للحوزة بعد تحصينها الداخلي من خلال ما ذكرنا ولقد آتت هذه العلاقات ثمارها وبسرعة... فصارت الحوزة العلمية في وجدان الناس الذين كانوا يسارعون إلى تلبية أي شي‏ء يمكن أن ت‏طلبه.

ولم تقتصر هذه العلاقات على طبقة محددة من طبقات المجتمع بل كنت ترى كل الطبقات والفئات على حد سواء أمام السيد الشهيد من أجل القيام بالواجب.

لقد شكلت هذه الأمور دعامة لذلك العمل الإسلامي الرائد الذي كانت المنطقة بأمس الحاجة إليه، وما لمسناه فيما بعد وعلى الأصعدة كافة كان دليلاً على ما مرّ وشاهداً على ما كان لدى السيد الشهيد من بعد نظر ومن روح عالية وإخلاص لله تعالى.. لأن ما كان لله ينمو.

وبالإضافة إلى هذا كان سعي السيد قدس سره نحو الطلاب... لكي يقرنوا العلم بالعمل حتى في البدايات. وهذا ما كانوا يشعرون به.

أولاً:
من خلال مراقبتهم لأستاذهم الذي لم يكن ينظر إلى العلم على أنه هو الهدف وأن الإنسان يقاس بعلمه... بل إن مقياس الإنسان هو علمه المقرون بعمله... وكان السيد الشهيد خير نموذج للعالم العامل.

ثانياً:
من خلال التوجيه الفعلي للطلاب ولو كانوا في بداية طلبهم للعلم ماذا يفعلون إذا تمت دعوتهم لإجراء عقد زواج أو لصلاة على جنازة. أو لاستخارة أو لفض نزاع جرى بين شخصين.. أو غير ذلك مما يتعرض له طالب العلم.. وكان ذلك جزءاً من التأهيل الذي سعى السيد ليوصل إليه الطلاب... فإن العالم المجاهد ينطلق في البداية من هذه المنطلقات البسيطة ثم يأخذ دوره تدريجياً في المجتمع... ولا يمكن أن نجد إنساناً يمكن أن يخرق هذه القاعدة... حتى من وصلوا إلى ذروة العبقرية... فإنهم انطلقوا من هذه المنطلقات الأول التي شكلت أساساً فيما بعد لعملهم في المجتمع.

إنه لتوفيق كبير من الله تعالى على هؤلاء الذين اجتمعوا من مناطق مختلفة أن يكون مدرسهم ومربيهم هو هذا الشخص الذي امتزجت روحه بالأخلاق المحمديَّة وعمله تبعاً لذلك بالإخلاص لله تعالى.

ولا زالت في الذاكرة تلك اللحظات من حياتنا عندما كان السيد يجمعنا عند كل مفصل ليقول لنا ماذا ينبغي أن نفعل... لقد كان حريصاً على كل واحد لأنه حقيقة وليس ادعاءً في موقع الوالد الروحي وللجميع على رغم أن الفارق في السن كان بضع سنوات فحسب.

ولمن يريد أن يتعرف على تلك الشخصية وكيف كان قد جاهد ليصيح إنساناً إلهياً بكل معنى الكلمة... فليراقب كيف تلقى خبر وفاة والدته في ذلك الحين.
فقد الأم التسليم للّه
لقد كانت والدته تعالج من حالة مرضية ألمت بها ولم تكن قد وصلت إلى سن الخمسين.. فهي لا تزال في مرحلة من العمر من الصعب أن يتصور المرء أنها تفارق الحياة فيه... وكان السيد الشهيد مثالاً في العاطفة الصادقة مع أهله، وخير مثال للبر بالوالدين... وكان ينتظر أن تتحسن حالتها على ما أخبر به الأطباء.

ولكن أمر الله تعالى حصل ولا دفع لقضائه وأصيب البيت كله بصدمة لا توصف والأم ركن البيت وذهب من يخبر السيد بذلك الخبر المؤلم... فكانت ردة الفعل سجدة لله تعالى ثم صلاة ركعتين... ثم كلمات الشكر لله والحمد له وطلب التوفيق للبقاء على حسن الولاء. كل ذلك أمام ذهول الذين أخبروه بذلك الخبر.

وأذكر عندما ذهبنا لتقديم العزاء له كيف شعرنا بذلك الجو الإيماني الذي لا يوصف. وهذا ما لا يمكن للمرء أن يتكلفه.. وإنما هو ناتج عن إيمان عميق ينعكس في الحياة تسليماً لله سبحانه وتعالى واستبشاراً بكل ما هو فعل من أفعاله عز وجل.

وعندما انتهت مراسم العزاء في النبي شيت وعاد السيد إلى منزله في بعلبك وذهبنا مرة أخرى لمواساته... أخذ يمازحنا بلطافته المعهودة ثم أخذ يتكلم بعد ذلك بكلمات التسليم وكيف ينبغي أن نقابل مثل هذه الحالات... ثم انتقل إلى الكلام عن الحوزة وأوضاعها باعتبار أنه غاب عنها حوالي الأسبوع... وخرجنا وقد تعلمنا من هذه الشخصية المذهلة دروساً في التسليم من جهة ودروساً في الجد والاجتهاد والمثابرة والتعالي عن الجراح من جهة أخرى.

كانت بعض مواصفات السيد الشهيد غير معروفة لدينا... فكانت مثل هذه المصائب التي تحصل عادة.. تكشف الجوهر الحقيقي للشخص وتبرز هذه المواصفات وإذا بالإنسان لا يملك إلا أن ينظر بإكبار من جهة وافتخار لأنه كان المربي من جهة أخرى.

كنا نشعر بهيبة السيد وكنا نحار في تفسير مصدرها إلى أن أدركنا أنها هيبة من الله تعالى، ألقاها على ذلك العبد الصالح المطيع له كما ورد في الحديث "من أراد عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان... فليخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعته...".

لقد كان هذا السيد الجليل في الواقع مصداقاً لهذا الحديث بكل معنى الكلمة... فهو لم يتعامل مع طلابه بقسوة أبداً... ولكن كان يكفي أن يقال أن السيد في طريقه إلى الحوزة مثلاً حتى يشعر الجميع بهيبة لا توصف... ونذكر هنا أن الانضباط في أجواء الحوزة العلمية يرجع بالدرجة الأولى إلى تلك الشخصية الإلهية ولا شك أن الأخوة الذين رافقوا تلك المرحلة كانوا مدينين للسيد الشهيد بالتحصيل العلمي في البدايات ثم بعد ذلك في عملهم التبليغي في أوساط الناس... من خلال الروحية التي كانت تفرض نفسها عليهم في كلا الحقلين.

شخصية طالب العلم بنظر السيد الشهيد
في المدارس الدينية التقليدية كان هناك دروس تُعطى وعادة لا يتعدى الأمر إلى غيرها وإذا تنوعت الدروس فإنها عادة تبقى دروساً في العلم والمعرفة النظريين..

أما موضوع الدروس التي تكون مقومة لثقافة الإنسان وباعثة على تحصيله للمعارف الأخلاقية والتحلي بمكارم الأخلاق، فلم يكن لها وجود في الأعم الأغلب.

إذا أخذنا بعين الاعتبار حاجات المجتمع من الثقافة... فإنه لا يحتاج إلى شي‏ء من مقدمات الفقه والأصول... بل ولا يحتاج إلا لشي‏ء من علم الفقه هو يمثل معرفة الحلال والحرام ليس إلا... والمجتمع يحتاج ثقافة من نوع آخر يتمكن معها المبلغ من إزاحة الجهل عن هذا المجتمع...

لذلك كانت البداية مع السيد الشهيد في الحوزة فقد أخذ فيها بعين الاعتبار هذه المسألة.. فكانت دروس الأخلاق... والتفسير والسيرة تأخذ دورها في الوسط العلمي للطلاب... لتربي طلاباً يتحلون بمواصفات المبلغ المطلوبة.

ولا نريد أن نقول إن المبلغين لم يكونوا يتحلون بهذا.. بل نقول أن هذا التنوع في طلب العلم كان حصيلة جهد شخصي للطالب.. فإن شاء الطالب أخذ به وإن شاء تركه.

وجعل هذا التنوع جزءاً من برنامج الحوزة... هو مصدر تعب وراحة في آن واحد بالنسبة إلى الطالب..

هو مصدر تعب لأنه يلزم الطالب بهذا النوع من العلوم... وهو مصدر راحة لأن الطالب لن يبحث، بعد الآن عن الكتاب وعن المدرس.

إن خوض الحياة الاجتماعية من قبل طلاب العلم الذين خاضوا مثل هذه التجربة يجعلهم ينطلقون في معالجة المسائل المستعصية في المجتمع من الداخل وليس من الخارج.. وبالتالي فإن الحلول أيضاً سوف تأتي من الداخل.

وكان لا بد من تهيئة الطلاب بنوع آخر من التهيئة وذلك عبر الندوة الأسبوعية التي بدأت مع بداية الحوزة والتي تضم كل الطلاب.. وكانت تهدف إلى تمرين الطالب على الخطابة والموعظة.

لقد وضع سيدنا الشهيد الأساس لهذه الندوة التي كانت تضم حوالي عشرة أشخاص هم كل طلاب الحوزة آنذاك... واستمرت إلى يومنا هذا ويشارك فيها الطلاب والأساتذة على حد سواء.

كانت الأيام الأولى للندوة الخطابية ذات طعم خاص فأكثر ال‏طلاب لم يكونوا قد تكلموا من على منبر أو وسط جمع من الناس فأصبحت هذه الندوة بالنسبة إليهم هي المنبر الأول.

إن طالب العلم بنظر السيد يفترض فيه أن ينزل قوياً إلى الساحة التبليغية ولا مجال لذلك إذا لم يتعود بعد على الخطابة والموعظة وما شاكل ثم يستفيد من أخطائه التي تكون كثيرة في البدايات... بل لا بد أن يكون هناك مرحلة تدريبية... يتعلم فيها فنون الخطابة ويمارسها ثم بعد ذلك يتعرض لانتقادات أو توجيهات أو ملاحظات الآخرين.

كان البعض يرتجف وهو يلقي كلمته في البدايات.. وكان السيد رحمه الله يرى ذلك أمراً طبيعياً فالمهم أن يثابر الطالب مرة بعد أخرى حتى يصبح الصعود إلى المنبر أمراً اعتيادياً.

وبعد الندوة كانت ملاحظات السيد الشهيد على ما ألقي... والتي يأخذ فيها بعين الاعتبار" أصل الفكرة التي دارت حولها الكلمة هل هو صحيح أم لا؟ ثم المضمون ثم الالقاء ثم الأخطاء اللغوية أو النحوية.

وكانت هذه الملاحظات هي التي يستهدي من خلالها ال‏طالب إلى الخطابة الصحيحة التي تشكل إحدى حلقات الوصل مع المجتمع ليتمكن الطالب فيما بعد من رفد مجتمعه بما يحتاجه من آراء وأفكار. وربما وقع البعض وهو يلقي كلمته في الندوة في عشرات الأخطاء... وربما وصل البعض إلى مرحلة شعر معها بما يشبه اليأس من إلقائه لخطاب ناجح.. إلا أن السيد قدس سره كان يتعهّد ذلك البعض بالرعاية حتى يوصله إلى المطلوب... وليس هناك واحد من هؤلاء الذين عاشوا تلك المرحلة إلا وهو مَدين للسيد عباس لأنه أوصله إلى مستوى يستطيع من خلاله أن يخاطب الناس بخطاب أو محاضرة أو موعظة أو ما شابه... وليس ذلك إلا لأن هناك أساساً قد بني عليه ذلك البناء.

وبعد فترة من هذا العمل أخذ السيد على عاتقه أن يباشر هؤلاء الطلاب بالاحتكاك بالمجتمع فكان يذهب إلى بعض القرى في المن‏طقة لإع‏طاء درس وكان يأخذ معه بعض طلابه ليعطوا دروساً للأطفال في بداية الأمر... حتى إذا اشتد عوده فيما بعد وضع في متناوله دروس الكبار أيضاً.

وفي بعض الحالات كان يأخذ البعض إلى مناسبة من المناسبات الإسلامية وفي الطريق يخبره بأنه من المناسب أن يتكلم هو في هذه المناسبة وليس السيد وذلك لاعتبارات معينة عرفنا فيما بعد أن هذه الاعتبارات لم تكن إلا مصلحة ذلك الطالب وكم كان أحدنا يأخذ الثقة بنفسه عندما يتكلم في جموع الناس وأستاذه حاضر بينهم... ويتفاعل مع كلمته ثم بعد ذلك يوجه بعض الملاحظات إن كان ثمة ملاحظات، وهكذا مرة بعد مرة تمكن هؤلاء من أن يخوضوا غمار العمل التبليغي الذي كان صعباً في البداية عليهم، إلا أن وجود المرشد والمربي كان يسهل هذا العمل كثيراً.

لقد وضع السيد الشهيد في ذهنه منذ البداية أن يهي‏ء السبيل لطلاب العلوم الدينية الذين كانوا بصحبته ليكونوا على تماسٍ واحتكاك مع مختلف الطبقات الاجتماعية فكان له ما أراد.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:51

الركائز الأساسية للحوزة في المن‏طقة
ولا ننسى هنا الدور العام الذي اضطلع به السيد الشهيد نفسه على مستوى المنطقة بعد أن ثبت الركائز الأساسية للحوزة.
فهناك منطقة شاسعة تحتاج إلى وعظ وإرشاد وتبليغ وتعليم بعد أن عاشت سنوات طويلة بعيدة عن منابع العلم والدين، وكان ينبغي أن تعود هذه المنطقة إلى مكانها ال‏طبيعي.

وقد سلك للوصول إلى ذلك سبيلين:

أولهما: التبليغ في القرى
التبليغ في قرى ودساكر هذه المن‏طقة التي قلّما كانت ترى مبلغاً ولم تبق منطقة لم يصل إليها المبلغون من قبل السيد قدس سره.. وكان هذا التبليغ يتخذ طابع الدروس واللقاءات الأسبوعية في مواسم الدراسة والتحصيل... وأما في مواسم التبليغ عند تعطيل الحوزة فكان المبلغون يسكنون في قرى وبلدات المنطقة ومن هناك يبدأ عملهم التبليغي... وقد يكون لأحد المبلغين أكثر من مكان يلقي فيه الدروس والمفاهيم على الناس.

وقد وضع السيد الشهيد أمامه ضرورة التبليغ في منطقة الهرمل وجوارها وجرودها لأنها أكثر المناطق حاجة إلى ذلك.

وقد تم التبليغ فيها بدءاً من سنة 1980وكان لهذه المواسم التبليغية الأثر الكبير في بث الروح الإسلامية في أوساط أهلنا الطيبين في هذه المنطقة... الذين كانوا ولا يزالون يحملون الغيرة والحمية في قلوبهم على الإسلام وعلى رموزه وخصوصاً على أهل البيت (ع).

ثانيهما: انتقاء أشخاص لطلب العلم والتبليغ
انتقاء أشخاص في بلدات وقرى المنطقة يمكن أن يكونوا طلاب علوم إسلامية ليكونوا من حملة العلم من جهة وليقوموا من جهة أخرى بمهمة التبليغ في ربوعهم.

وهذه نقطة في غاية الأهمية حيث أن المبلغ الذي يعلم الناس إذا لم يكن مطلعاً على تفاصيل حياتهم واهتماماتهم فسوف يكون تعليمه ذا أثر ناقص خلافاً ما إذا كان م‏طّلعاً على هذه التفاصيل فإنه سوف يكون أكثر قدرة على التوجيه وأعرف بتشخيص الدواء لأنه أعرف بتشخيص الداء.

ولقد أثمر ذلك الزرع من قبل السيد الشهيد في المن‏طقة ولا سيما إذا قمنا بمقارنة الجو العام لها قبل بداية هذا العمل المبارك بمرحلة ما بعد السيد الشهيد.

فمن جهة المنطقة هي غير المنطقة التي بدأ فيها عمل السيد الشهيد. حيث إنها تعتبر الآن قلعة من قلاع الإسلام المحصنة في الأمة ولقد قدمت الكثير من أجل كرامة الإسلام وتمكنت من الوصول إلى درجة عالية من الوعي لمفاهيم الإسلام وأفكاره... ومن التفاني لنصرة هذه الأمة، ولا يمكن للإنسان الذي يرى هذا التغيير على مستوى المنطقة، إلا أن يذكر السيد عباس الموسوي الذي ترى بصماته واضحة على كل معلم من المعالم فيها.

وعلى مستوى الحوزة فإنها تزخر الآن بطلاب هم من أبناء المنطقة التي ينتمي إليها السيد الشهيد أو تنتمي إليه.. لا فرق فإن المرء ينتمي في الحقيقة إلى مشربه ومعتقده... ولا عجب أن يكون سيد شهداء المقاومة الإسلامية كذلك لأنه كان الملاذ والمرجع لهؤلاء المؤمنين..

قد يكون سهلاً على المرء أن يتصور التغيير والتقدم إلى الأمام.. وقد يكون من السهولة بمكان أن يخطط للتغير وللتقدم أيضاً.. فإن تصور الأمور سهل يسير... ووضع الخطط ليس فيه صعوبة إلا أن الصعوبة تكمن في تنفيذ الخطة والخروج بها من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة والواقع.

قد يكون هناك من رسم أو يرسم صورة لما ينبغي أن تكون عليه هذه المن‏طقة أو تلك... ولكنه عندما ينزل إلى ساحة الواقع قد لا يست‏طيع أن يخطو يخطوة واحدة إلى الأمام لسبب أو لأسباب... وهنا ننظر إلى السيد الشهيد الذي لم يشغل باله كثيراً بوضع الخطط وإنما ركز على الجانب العملي الذي تحتاج إليها جماهير المن‏طقة ولا نريد أن نزهد في وضع الخطط.. وإنما علينا أن لا نبقى نعيش في عالم التنظير والمثل من دون أن نلامس الواقع... لأن من يعيش عالم النظرية والمثال سوف يبقى كذلك.. بينما من استطاع أن ينزل إلى أرض الواقع فقد أصاب الحقيقة.. وبين خطة بسيطة تناسب الإمكان... وعمل جاد... تحصل عملية التغيير في مجالات العمل ولا سيما مع الأخذ بعين الاعتبار أن هناك ظروفاً قد تحصل لم نكن سعينا نحوها... وإذا بهذه الظروف تقف في خدمة الهدف الذي نسعى إليه.

انتصار الثورة في إيران بنظر السيد الشهيد
كانت الثورة الإسلامية التي أشعل فتيلها الإمام الخميني المقدس رضوان الله عليه قد أحدثت تياراً هائلاً في وسط الأمة الإسلامية وتمكنت من إعادة كثير من أبناء الأمة الذين جرفهم التيار بعيداً عن الاهتمام بالإسلام العزيز.. تمكنت من إعادتهم إلى أحضان الإسلام...
كان صوت الإسلام لا يصل إلى المسامع لعوامل عديدة.. وإذا به فجأة يصل إلى كل المسامع ومن خلال كل وسائل الإعلام التي لم تستطع أن تتجاهل هذه الظاهرة الفريدة.

ربما وضع البعض حواجز في طريق الثورة.. وربما وضع البعض الآخر أصابعهم في آذانهم لكي لا يسمعوا هدير هذه الثورة... إلا أن شخصية الإمام المقدس تمكنت من الوصول إلى القلوب... كأبرز شخصية إسلامية عرفها هذا التاريخ.. بعد الأنبياء والأئمة (ع)...

وعلى هذا الأساس ينظر سيد شهداء المقاومة الإسلامية إلى الثورة الإسلامية وهو على ثقة كاملة بالانتصار.. وكان يطرح هذه القاعدة: إذا وجد المبدأ الصحيح... والقاعدة الصلبة... والقائد الحكيم حصل الانتصار... وكان هذا مما يتكلم به غيره وينظرون له ولكنهم نسوا ذلك عند بداية حركة الإمام رضوان الله عليه... فانطلقت الحسابات المادية عندهم لتفعل فعلها... فهل يتمكن الإمام من فك القيود التي قيد الاستكبار العالمي بها هذه الجماهير... وهل يستطيع إيقاظهم عن آخرهم... وهل يتمكن من القضاء على نظام الشاه الذي هو شرطي الخليج... إلى غير ذلك من الأسئلة التي لا تنتهي...

وكان الجواب واضحاً في قلب السيد الشهيد من خلال المعادلة التي سلفت والتي لا تحتاج إلى كثير من التفكير ولكنها تحتاج إلى تفكير نوعي يصحح المسيرة.

وانتصرت الثورة ووصل صداها إلى كل العالم.. وكان من الطبيعي أن يتأثر بها هذا البلد بكل مناطقه... وهذا ما مهد للعمل التبليغي الذي كان بدأ قبل فترة.. ليق‏طف ثماره.

.. وكان هناك قدر أن يجتمع أولئك المهجرون من النجف الأشرف في تلك المنطقة من أجل ارساء الحوزة العلمية... ليكونوا ممهدين للحالة الإسلامية التي أع‏طتها الثورة الإسلامية المباركة زخمها الأكبر.. وكان للحوزة العلمية دور كبير في إيصال الثورة الإسلامية... عند الانتصار. ثم فيما بعد عندما بدأت الحرب المفروضة على أول حكومة إسلامية في هذا العصر وهذا ما كنا نراه من خلال التفاعل الجماهيري مع الثورة حيث كانت حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف هي الملتقى لأولئك الذين أحبوا الإمام وثورته المباركة.

السيد عباس يعدّ الطلبة جنوداً على الأصعدة كافة
كان لا بد من إعداد جو الطلاب ليكونوا جنوداً على الأصعدة كافة.. فسعى السيد إلى إقامة دورة عسكرية للطلاب في أحد المعسكرات التدريبية ولئن كانت المعلومات العسكرية التي تلقوها في درجة الوس‏ط فإن المعنويات كانت عالية فيها بالإضافة إلى أن هناك درساً يكمن في أصل الدورة وليس في تفاصيلها وهو أن الذين يفترض فيهم أن يكونوا علماء المستقبل يفترض فيهم أن يكونوا في المقدمة في كل شأن من الشؤون وبما أن الأخ‏طار الاستكبارية تواجه ما تبقى من أشلائنا فينبغي أن نعد العدة لهذه المواجهة وعلى مختلف الجبهات... ومنها الجبهة العسكرية ضد العدو... ولا سيما أن الثورة الإسلامية المباركة كانت قد أعادت الأمور إلى نصابها وتمكنت من إيجاد قاعدة صلبة لمواجهة الاستكبار العالمي وربيبته على مستوى من‏طقة الشرق إسرائيل.

صحيح أنه لم يتسنَّ لأولئك الطلاب أن يواجهوا العدو الإسرائيلي آنذاك إلا أنهم تهيأوا ليكونوا جنوداً فيما بعد واستطاعوا وقتها أن يصوبوا مسيرة العمل الإسلامي القائم من خلال تحديد الهدف عبر تحديد العدو.

وقد است‏طاع العمل التبليغي في وقتها أن يؤتي ثماراً كثيرة لم تكن في الحسبان منذ بداية العمل.. ولم تكن شخصية السيد عباس بغائبة عن كل مفردة من مفردات التبليغ... بل كانت مقبولية المبلغين في المناطق ناتجة عن أن الذي أرسلهم إلى تلك المناطق هو ذلك الشخص الذي حمل هموم الناس... واكتسب المبلغون الثقة من خلال ثقة الناس به، وهذا ما كان يصرح به كثيرون عندما يستقبلون المبلغين: صحيح أننا لا نعرفكم ولكن يكفي أن يكون السيد عباس الموسوي هو الذي أرسلكم لتكونوا أهلاً لحمل الأمانة.

كل ذلك حصل له ولم يحمل من المقومات المادية شيئاً.. وكان أبعد ما يكون عن الضجيج الإعلامي... إنها فعلاً عناية الله تعالى لهذا العبد الصالح الذي أحبه الله فأدخل حبه إلى القلوب.

إنه لم يسع إلى مركز أو موقع وإنما كان يتحين الفرص التي يتعرف فيها إلى أشخاص لائقين ليسلمهم ذلك المركز أو الموقع، حتى في إدارة الحوزة فإنه كان يسعى ليسلمها إلى الغير ليتفرغ هو للتبليغ وتوجيه الطلاب من خلال إعطائه بعض الدروس لهم ولكنّه أُلزم بإدارة الحوزة ولم يقبل أحد من الأخوة العلماء أن يتسلمها طالما أن سماحة السيد موجود وقادر على متابعة تفاصيلها.

لقد كان الجميع يدرك أن هناك مواصفات في هذه الشخصية لم توجد في غيره وأن الإيمان العامر في قلبه قد صيره إنساناً متميزاً في أقواله وأفعاله، حتى في هدوئه... ومثل هذا يجعله قادراً على أشياء لا يقدر عليها الآخرون... وتلك هي النعمة الإلهية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:52

على خطى الشهيد الصدر
كان السيد محمد باقر الصدر رضوان الله عليه قد وقف بوجه السل‏طة في العراق وقام علناً بتأييد الإمام الخميني قدس سره بل وجعل نفسه في خدمته وخدمة الثورة المباركة وقال كلمته المشهورة، ذوبوا في الإمام الخميني كما ذاب هو في الإسلام.

ولم تستطع السلطة أن تتحمل مثل هذه المواقف فقامت أولاً باعتقال السيد ووضعه في الإقامة الجبرية بعد أن قام بتعبئة الجماهير لنصرة الإسلام العزيز.

... وحيث أن هذه الشخصية لا يمكن أن تهادن.. قررت هذه السلطة أن تتخلص منه... وتمكنت من تنفيذ خطتها. وارتحل ذلك العالم الإلهي الكبير إلى الله تعالى مضرجاً بدمه وبرفقة شقيقته بنت الهدى ولم يستطع النظام أن يأخذ منه شيئاً.

وكان صدى استشهاد الأستاذ عند تلميذه السيد عباس الموسوي كبيراً... فإنه كان في نظره الأستاذ والمربي والموجه... وكان من الطبيعي أن يكون تأثره عليه كبيراً ولا سيما أن السيد عباس كان في حله وترحاله... في إقامته في النجف وفي عمله التبليغي في لبنان يرجع إلى أستاذه الكبير.

ولكن فرق بين الحزن الذي يبقى معه المرء واقفاً حيث هو وبين الحزن الذي يحرك المرء للتغيير... ولا سيما أن الشهيد الكبير السيد الصدر كان قد رسم معالم طريقه وطريق من معه من المؤمنين... حيث أنه سلم القيادة لإمام الأمة.. وجعل نفسه جندياً في مسيرته.. بل واستشهد أخيراً في سبيل هذه القضية. ولقد زاد هذا الاستشهاد لذلك العلم الكبير تلميذه المخلص ولاءً للإمام والثورة... واستطاع أن يجعل من هذه القضية المأساوية... خطوة جديدة لتوعية الناس وربطهم بالثورة المباركة... فقام بتنظيم مظاهرة في شوارع بعلبك كان لها أثرها الكبير وعرفت الناس أكثر على هوية النظام المجرم الذي شكل في أكثر من بلد أذرعاً له لقتل المعارضين والشرفاء... وعرفتهم أكثر على عظمة الإسلام الذي صاغ هذا الشهيد وأمثاله.. وكيف يتمكن المرء من الوصول إلى الإخلاص الحقيقي الذي يقدّم نفسه من خلاله شهيداً في سبيل إحقاق الحق وإزهاق الباطل.

وتحول شهيد الإسلام الكبير كما أراد هو لنفسه إلى جندي في حركة الإمام الخميني.. وفهم السيد عباس رسالة أستاذه بوعي وكيف ينبغي أن يذوب في حركة الإمام كما أمر الأستاذ وذابت مرجعيته وآراؤه وأفكاره.. وقيادته.. في مرجعية وآراء وأفكار وقيادة الإمام الخميني رضوان الله عليه.

وبدلاً من أن يكون قتل السيد الصدر مجرد خسارة.. يتحول هذا الحدث إلى مصدر توعية... إذا استطاع الباقون أن يحملوا دماء الشهداء أمانة في أعناقهم... فعندئذ يكون الأمر كما قال الإمام الخميني قدس سره: اقتلونا فإن شعبنا سَيَعِي أكثر.

لقد ترك الشهيد الصدر في حياته آثاراً كبيرة في حياة السيد عباس عنوانها العلم والمعرفة ثم ترك في شهادته أثراً هو أكثر قيمة من كل شي‏ء عنوانه الإخلاص... الذي من خلاله توجت حياة ذلك العالم الكبير بالشهادة في سبيل الله ليمتزج مداد العلماء بدماء الشهداء.

ولا زالت دروسه الأخيرة التي ألقاها في النجف الأشرف على طلابه ومحبيه والتي بحث فيها في تفسير القرآن. وسميت التفسير الموضوعي للقرآن والتي اختتمها بمحاضرة عن حب الدنيا... لا زالت من أكثر الدروس التي تشد إلى العلم والمعرفة.. ثم تزهد في هذه الدنيا.. التي تركها شهيدنا الصدر كما جاء إليها.

وتجاوز السيد عباس الموسوي كل التأثر على هذا الأستاذ العبقري ليحمل دمه فعلاً أمانة في قلبه وعقله..

وإذا بالسيد الصدر الذي عرفه الناس مرجعاً دينياً كبيراً من خلال السيد عباس وتلامذته... يصبح عن طريق السيد عباس أيضاً شهيداً في طريق ثورة الإسلام الكبرى التي حملها السيد عباس أيضاً، وعمل لها. فكان علماً في حياته وفي شهادته وصارت ذكرى الشهيد الصدر من المناسبات الكبرى التي تجري فيها توعية الناس من خلال تعريفهم هذه الشخصية الكبيرة، وتعريفهم الأهداف التي وضعتها أمامها.. والأفكار التي حملتها... ولا سيما أن هذا الشهيد الكبير لم يبق في النجف الأشرف إلا بتوجيه من الإمام الخميني قدس سره.. مما يعني أن كلمات الولاء للإمام والثورة لم تكن كلمات جوفاء... لأنه يعلم أن هذا النظام السفاح لم يكن يحتاج إلى شي‏ء من أجل إراقة دم أي أحد.. فكيف بمن يعتقد هذا النظام أنه يؤلب الجماهير عليه.

لقد كانت العلاقة بين حوزة بعلبك وبين الجماهير تزداد وثاقة كلما مر الزمان وكلما حصلت أحداث لها انعكاس على مستوى الأمة الإسلامية حيث كانت جموع المؤمنين والموالين تأتي إلى ذلك المكان الذي تستمد منه العلم والمعرفة والموقف.

ولم يكن السيد عباس قدس سره ينتظر أن يأتي المؤمنون إليه بل كان يسارع إلى الالتقاء بهم وكثيراً ما اجتمع عدد كبير من مختلف الشرائح الاجتماعية في الحوزة للبحث بشأن ما حصل في أوساط المجتمع. وهذه مرحلة كان السيد ي‏طمح للوصول إليها. ووصل إليها بعد معاناة شديدة.

وعندما نلاحظ الوضع الداخلي للحوزة في ذلك الوقت نجد أن هناك تجمعاً لعدد كبير من الطلاب أتوا من مختلف المناطق اللبنانية. وهذا حصل بعد أن ذاع صيت الحوزة من جهة أو من خلال اللقاءات التي قام بها السيد في مختلف المناطق والتي من خلالها كان الأهل يسارعون إلى حث أولادهم على الالتحاق بهذا المعهد العلمي الكبير.

ومن النشاطات المهمة التي قامت بها الحوزة.. وهي استقدام مجموعة من الأخوة من مختلف المناطق اللبنانية وأجرت لهم دورة ثقافية، كان لها أثر كبير في زيادة مستواهم.. وأكثر هؤلاء الأخوة الذين شاركوا في الدورة هم من الطاقات المهمة في العمل الإسلامي في هذه الأيام.. لقد شكلت الدورة عندهم حافزاً كبيراً على "اقتحام" أبواب العلم والمعرفة من جهة.. وأبواب الجهاد والعمل من جهة أخرى وكانت بالمقابل وسيلة لدخول الحوزة العلمية أوساط المجتمع أكثر فأكثر.

إن هناك عدداً كبيراً من الناس لا يستطيعون أن يكونوا طلاب علوم إسلامية بشكل دائم.. ولكنهم يستطيعون أن يفرغوا أنفسهم لمدة معينة للعلم والمعرفة.. فينبغي أن يكون لهؤلاء فرصة ليتمكنوا من إعداد أنفسهم بحسب المستطاع.. هذا ما فكر به السيد عندما قرر مع أخوانه أن يقوموا بذلك الجهد المبارك والذي كان له أثر كبير فيما بعد.

إن الدخول إلى عالم الثقافة والفكر لا يكون من باب واحد بل يكون من أبواب متعددة، ولكن أولاً على المرء أن يهتم بدخول ذلك العالم.

.. وقد لا يكون هناك محفزات للدخول والتحلي بثقافة عالية ولكن وجود نماذج تتمتع بهذه المواصفات يكون بحد ذاته دافعاً ومحفزاً للآخرين ليسلكوا هذا السبيل.

وهذا ما سعى إليه من خلال مجموعة الأعمال التي قام بها أو ساهم في القيام بها. كان يشعر أن الجهل الذي تعيشه أوساط الأمة هو السبب في وصولها إلى ذلك الوضع الاجتماعي والسياسي المتردي، بالإضافة إلى أسباب أخرى يرجع بعضها بالنتيجة إلى الجهل أيضاً. فإذا أردنا استنقاذ هذه الأمة فعلينا أن نعلمها أو أن ندفعها إلى التعلم لتصل إلى حل كل الرموز من خلال ما تعلمت.. علينا أن نضع أمام أبناء الأمة الضائعة مثلاً عليا للاقتداء هم الأنبياء والأولياء الذين من خلالهم تتقدم المسيرة إلى الأمام ومن خلال تراثهم تتمكن الأمة من إنقاذ نفسها من براثن الاستكبار... ولذلك كانت الحوزة وكان التبليغ وكانت الدورات..

ليست الحوزات العلمية وسيلة إلى تفوق علمي لمجموعة من الأشخاص الذين قد تخدمهم بعض الظروف فيحصلون على مرتبة علمية عالية ثم بعد ذلك ينقطع الحبل بينهم وبين ما حولهم فيكون العلم وسيلة لتفوقهم على الناس ليس إلا.

وليست عملية التبليغ مجرد فرصة يتمكن فيها المبلغ من إظهار مواهبه الخ‏طابية ليشار إليه بالبنان من قبل المستمعين ثم بعد ذلك لا يكون هناك فائدة تذكر لهؤلاء المستمعين.. لأن ما ذكره الخطيب وأثار إعجابهم لم يكن له أي انعكاس عملي على روحية هؤلاء.

وليست الدورات أيضاً طريقاً إلى إبراز المواهب بأن يشعر الأستاذ بأنه يعطي مجموعة من الناس سيكون لهم شأن فيما بعد.. أو يشعر التلامذة في الدورات بأنهم نخبة هذه الأمة.. وبالتالي يحول هذا الشعور بين هؤلاء وبين الفائدة.

إن التوجيه لا بد منه في الحوزة وفي التبليغ وفي الدورات حتى تعطي هذه فائدتها، وإلا فإنها تتحول إلى مجرد أرقام في سجل الأفراد ولا يبقى أي فائدة على الإطلاق.

ولذلك عندما نذكر هذه المسائل فإننا نذكر معها هذا السيد المجاهد الذي أخذ على عاتقه تدريب طلاب ليكونوا حملة رسالة... وأخذ على عاتقه مباشرة العمل التبليغي الذي يصل من خلاله إلى أعماق الناس.

وأخذ على عاتقه تثقيف مجموعات من الشباب يمكن أن يقدموا للإمة فيما بعد العلم والمعرفة... ولقد أثمرت كل هذه الأعمال وبسرعة نظراً إلى أنها كانت فعلاً تعيش في وجدانه وليست مجرد نشاط يقوم به المرء ليسقط الواجب عن كاهله ليس إلاَّ.
تأسيس حوزة الزهراء (عليها السلام)
في المجتمع اللبناني بشكل عام والمجتمع البقاعي بشكل خاص لم يكن للمرأة دور في أي مجال من المجالات وكان الجهل يلف أجواء مجتمع النساء في مجتمع الرجال.. قد يكون مفيداً أن يذهب أحد المبلغين لإعطاء درس لمجموعة من النساء فإن المساهمة في إعطاء معلومة بسيطة عن الإسلام يمكن أن تعطي نتيجة مقبولة... إلا أن هناك عقبات كثيرة تحول دون ذلك.

فقد يكون حضور المبلِّغ الرجل إلى درس للنساء بحد ذاته مثار تساؤل كما كانت الحال في كثير من قرى وبلدات المن‏طقة.

وقد يكون هناك أسئلة يمنع الحياء بعض النساء من أن توجهها للمبلغ أو لا يست‏طيع المبلغ الإجابة عنها لنفس السبب.

وقد لا يتمكن المبلغ من أن يتعرف على المشاكل التي تعاني منها النساء في البيوت وفي المجتمع ليتمكن من معالجتها.

لأجل ذلك كان لا بد من التفكير بإقامة صرح علمي نسائي يكون له دور إعداد وتأهيل النساء في مجتمعنا.

هذه هي نواة المدرسة الدينية في بعلبك والمعروفة باسم: حوزة الزهراء (عليها السلام) التي نضجت فكرة تأسيسها في ذهن السيد عباس مع جمع من العلماء... وعهد إلى مجموعة صغيرة من النساء المجاهدات وكانت إحداهن الشهيدة أم ياسر العمل على تنفيذ هذه الفكرة.

وكانت هناك مجموعة من العوائق أمام ذلك العمل فمن الذي يرسل ابنته أو شقيقته لتتلقى دروساً في العلم والمعرفة ومن كان يثق آنذاك بقدرة النساء على التعلّم...

وما فائدة أن تتعلم المرأة مع أن نهايتها هي في البيت الذي خلقت له لتقوم فيه بنشاطاتها المعهودة إلى ما هناك من تشكيكات. وكان لا بد من الانطلاقة التي كانت ككل انطلاقة بطيئة في البداية ثم أخذت دورها تدريجياً في المجتمع.

ولم يكن اسم السيد غائباً عن كل نجاح حققته هذه الحوزة... بل كان هو الإنسان الذي يضع الناس بين يديه مستقبلهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم، وكانت الروحية العالية له حاضرة في كل شأن من شؤون الحوزة.

في البداية كانت الانطلاقة بعدد لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ثم بعد ذلك أخذ العدد يتزايد سنة بعد سنة، وكانت البداية في شقة صغيرة ثم بعد ذلك وبسبب ازدياد العدد صار المكان الذي تشغله الحوزة مبنىً مؤلفاً من عدة طبقات.

وفي البداية كانت العلاقة بين الحوزة وبين مجموعة الأخوات اللواتي يدرسن في الحوزة وفيما بعد صارت هذه الحوزة وسيلة الاتصال الأساسية مع المجتمع النسائي في المنطقة ككل. ولئن لم يتمكن السيد من ممارسة التدريس في هذه الحوزة. فإنه كان مشرفاً على أوضاعها ومراقباً لنموها وموجهاً لها في شتى المجالات. وأخذ على عاتقه تأمين المال اللازم لتصبح هذه قادرة على أداء مهماتها بنجاح.. ومن يطّلع على نشاطها الآن وكيف صارت بعد مرور حوالي عشرين عاماً على تأسيسها يدرك تماماً مدى الإخلاص الذي رافق هذا العمل منذ بدايته، ومدى التفاني الذي أبداه ذلك العلم المجاهد من أجل رفع الحيف عن المرأة المظلومة في أوساطنا.

فقد دخل إلى هذه الحوزة حتى الآن أكثر من ألف طالبة على مدى هذه السنوات ودرست كل واحدة منهن مدة معينة.. ولا زالت كثيرات منهن على تواصل مع الحوزة في مختلف الشؤون التبليغية.. وبعملية حسابية بسيطة ندرك مدى التأثير الذي يتركه هذا العدد الكبير من الطالبات في المجتمع النسائي.

لقد تمكن هذا العمل المبارك لسيدنا الشهيد أن يتحول في مستقبله إلى منارة حقيقية من منارات العمل الإسلامي.

فهناك الأعداد والتهيئة في الداخل وعلى غرار ما حصل في حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف. هناك الندوة الأسبوعية التي يتم فيها إعداد الطالبات للقيام بدورهن في المجتمع في المستقبل.

وهناك العمل التبليغي الفعلي في المناطق والذي يقوم به العشرات من ال‏طالبات الفعليات في الحوزة.. وينطلق من داخل الحوزة.. بالإضافة إلى غيرهن من الأخوات اللواتي كن من طالبات الحوزة فيما مضى.

ويزداد هذا العمل التبليغي قوة سنة بعد سنة ولا سيما في مواسم التبليغ وبالأخص في أيام العزاء لأهل البيت (ع) في شهر محرم الحرام... حيث هناك مئات المجالس اليومية التي يقوم بأعبائها الأخوات من هذه الحوزة.

وهناك النشاطات الموسمية في داخل الحوزة حيث يستفاد من هذا المكان وفي عطلة الحوزة للقيام بدورات ثقافية خصوصاً لمن بلغن سن التكليف الشرعي من الأخوات... وهذا يتم من خلال إدارة وطالبات هذه الحوزة.

هذا بالإضافة إلى إقامة الاحتفالات في المناسبات للنساء في القاعة الموجودة في داخل مبنى الحوزة التي صارت المركز الأول للنساء على مستوى المنطقة. لقد كان حلماً بكل معنى الكلمة..

ولكنه بدأ يدب في أرض الواقع شيئاً فشيئاً.

وكل عمل يكون في البداية أشبه بالحلم فإذا سعينا إليه يمكن من خلال الإخلاص أن نحوله إلى حقيقة وواقع أما إذا لم نفعل فهذا الحلم سوف يبقى حلماً..

وأما الاعتذار بأن هناك صعوبات تعترض الطريق.. فهذا في غير محله لأنه لا وجود لعمل حقيقي له دوره الفعلي كان الطريق إليه ممهداً بل أن العمل الحقيقي هو ذلك العمل الذي يصل إليه الإنسان بمشقة بالغة.

كل تلك النشاطات المباركة كانت ثمرة للجهود التي بذلت من قبل السيد في الفترة الفاصلة بين أوائل سنة 1978ومنتصف سنة 1982لقد تمكن من خلال تفانيه في سبيل ما يطمح إليه من أن يصل إلى نتائج لم تكن في الحسبان وكانت فوق الطموحاتفي ذلك الوقت، مع أنه لم يكن يملك من الإمكانيات شيئاً... وهذا هو دأبه في كل شأن من شؤونه العملية فهو يشخص المصلحة في البداية حتى إذا وجدها في عمل معين سعى إلى ذلك العمل ثم يأتي فيها بعد دور تأمين الموارد.

إن وجود هذا الرجل في تلك المن‏طقة وفي هذه الظروف كان توفيقاً إلهياً لكل من عمل معه، سواء في مجال الحوزات العلمية في مجال التبليغ أو في المجالات الاجتماعية والثقافية والإعلامية المتنوعة.

لقد كان حاملاً لكل هموم المنطقة، وحاجاتها.. وبعد انتصار الثورة الإسلامية صار لسان هذه الثورة بكل معنى الكلمة فهو قد عرف الإمام الخميني قدس سره معرفة معمقة جعلته يتحرق شوقاً ليكون على تماس مع الإمام وثورته المباركة.. وكان له ما أراد.. إن الثورة الإسلامية المباركة كانت تدافع عن نفسها في ذلك الوقت من خلال التصدي لجيش صدام المعتدي على أراضيها.. وقد استطاعت أن تحرر قسماً كبيراً من الأراضي التي كانت قد احتلت من قبل.. وكانت آخر المواقع التي حررت مدينة خرمشهر.. حيث قام أبطال الإسلام وأبناء الإمام بعمل كان له وقع مذهل على الدوائر الاستكبارية... فتمكنوا من تحرير هذه المدينة وإيقاع جميع من كان بداخلها من جنود بين قتيل وأسير وكانوا بعشرات الآلاف.. وسواء كان هناك ربط بين ما جرى هناك وما يجري في لبنان أم لا.. فقد ترافق ذلك مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان وكأنه رسالة إلى الثورة الإسلامية من قبل دوائر الاستكبار تعلن وقوف كل القوى الموالية للاستكبار بوجه الثورة الإسلامية المباركة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:54

الفصل الرابع: مرحلة ما بعد اجتياح 1982

مرحلة ما بعد اجتياح 1982
في أوائل شهر حزيران من عام 1982ب‏دأت الق‏وات الإس‏رائيلية بعمليات قصف جوي استهدف كثيراً من المناطق اللبنانية وكانت قوة القصف المدمر توحي بأن هناك عملاً عسكرياً واسعاً تنوي القيام به .. ولا سيما أن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين كانت تتحدث عن ضرورة حماية المناطق الشمالية في فلس‏طين المحتلة.

وفعلاً بدأ الاجتياح الاسرائيلي للمنطقة.. وانهار أمامه كل شي‏ء... فلم يعد للمنظمات المقاتلة وجود في السَّاحة... فانهزم المنهزمون وألقى الراية حاملوها ولعل بعضهم حمل راية المحتل.. بل وأكثر.. وتجرعت الأمة كأس المرارة وتركت في حال من الذل واليأس... أما الذل فلوجود المحتل الذي هو عدو الإنسانية والدين.

وأما اليأس فلأنه لا أمل في الأفق بمقاومة ذلك العدو المجرم الذي لا يرعى حرمة لفرد أو لأمة أو حتى لهيئة دولية.

كان لا بد من عمل كبير من أجل إنقاذ الأمة من هذين الوباءين المهلكين ولم تكن هناك فرصة كبيرة للتفكير.. فكل يوم يمضي كانت الأمة تدخل في فم التنين المستكبر أكثر فأكثر.

مواجهة العدو
أمام هذا الواقع وقف السيد عباس الموسوي يحاول المعالجة ويتساءل هل يستطيع أن يفعل شيئاً أمام هذا الوضع المنهار.. ولم يكن يدور في باله أنه سوف يكون الرجل الأول في مواجهة العدو على مستوى الوطن... وأنه سوف يكون الرجل الأول أيضاً في لائحة وضعها العدو لأولئك الذين يشكلون الخ‏طر عليه ويجب التخلص منهم.

وتتكامل الظروف من هنا وهناك... ويقرر الإمام الخميني قدس سره مساعدة لبنان في هذه المحنة ويرسل مجموعات من حرس الثورة الإسلامية إلى هذا البلد لرد العدوان. ولكن مجموعة من الظروف والعوامل حالت بين هؤلاء المجاهدين وبين هدفهم.

.. كان الجو العام في البقاع عموماً وفي بعلبك على وجه الخصوص.. وحده من بين أجواء بقية المناطق يمكن أن يكون له دور في استقبال سفراء الإمام والثورة الإسلامية.. لمجموعة من العوامل أيضاً إذ أن الحالة التي كان سيدنا الشهيد قد أرساها في وسط هذا المجتمع جعلت منها حالة قادرة على تحمل أعباء دفع الأخطار في المستقبل.. وحيث لم يتسن لأفراد الحرس أن يقاتلوا.. كان لا بد من القيام بعمل آخر يشكل بديلاً عن القتال.

الإستعداد العسكري
وقد تعاطى رحمه الله مع هذا الأمر بحرارة عالية.. حيث تم الاتفاق بينه وبين مجموعة من العلماء وقيادة الحرس على تهيئة الجو على مستوى الإعداد العسكري ليتحول المجتمع إلى مجتمع مقاومة... وهذا ما حصل وبدأت الدورة الأولى وكان جزء من طلاب الحوزة وأساتذتها من بين الذين خضعوا للدورة... وكان هو نفسه في المقدمة فيها.. وكان مثالاً في كل شي‏ء ورغم أن بدنه كان متعباً وغير قادر على الحركة... إلا أن روحه العالية كانت تعطي لذلك الجسد المثقل قوة لا توصف.

وكان المدربون في الدورة يطلبون منه أن يرتاح في الحصة التدريبية التي تحتاج مجهوداً جسدياً كبيراً إلا أنه كان يصر على القيام بالمجهود طالما بإمكانه فعل ذلك حتى بمشقة كبيرة... وكان يقول لهم عندما أقع أرضاً ولا أقوى على الحراك عند ذلك فقط يمكن أن أتوقف.

واستمر على هذه الحالة حتى نهاية الدورة التي استمرت أكثر من شهر واستطاع خلالها أن يحقق مجموعة من الأهداف.

فهو قهر نفسه أولاً وحملها ما يشق عليها.. إذا أنه تعلم من كلمات أمير المؤمنين(ع) أن النفس هي الميدان الأول وهو ركز طلابه ثانياً من خلال إخضاعهم بما خضع له ليكونوا خيرة الدعاة إلى الله تعالى في هذه المرحلة الصعبة وبالمستوى المطلوب واللازم لها وهو فتح باب الجهاد على مصراعيه ثالثاً أمام أبناء الأمة الذين رأوا علماء الإسلام في مقدمة المسيرة ولا سيما هذه السيد الجليل.. فكانوا خير من لبى النداء.

من آثار الإستعداد
... وإذا لم يكتب لأفراد حرس الثورة الإسلامية أن يقاتلوا العدو بأنفسهم... فإن الله تعالى هيأ لهم ما هو أنفع للأمة الاسلامية جمعاء.. حيث أن القتال إذا كان يمارس من خارج فإنه بالطبع لن يكون ذا أثر كما إذا كان القتال من الداخل.. وإذا بهؤلاء المتدربين الذين يفترض أن يقاتلوا العدو والذين لم يكونوا قد استعدوا للمواجهة استعداداً حقيقياً.. إذا بهم في هذه المرحلة يمتثلون لأمر الله تعالى في كتابه الكريم:

(
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم...).

ولم يطل العهد طويلاً لتبدأ ثمرات ذلك الجهد بالظهور، وبدأت عمليات المقاومة الإسلامية تخط تاريخاً جديداً للمنطقة أخذ يمحو تدريجياً ذلك الماضي الأسود.

وإذا كانت المقاومة لا تملك في ذلك الوقت شيئاً من الامكانيات فإن ثمة شيئاً عرفه الناس بأجمعهم هو أن الإمكانيَّات لا تقدم شيئاً... وها هي مستودعات السلاح لم يستفد منها شي‏ء، واست‏طاع المحتل الإسرائيلي أن يستفيد من كثير منها.

إن العقلية القائمة فيما مضى تعتمد على تهيئة السلاح المادي لمقاتلة العدو... وحيث أن هذا العدو دائماً يمتلك القدرة المادية أكثر... ويحوز السلاح الأقوى في الأرض.. لذلك بقي جمع السلاح هو الهم... من دون أن ينزل هذا السلاح ليقاتل العدو..

لقد استطاعت الثورة الإسلامية في إيران أن تحدث زلزالاً في هذه العقلية السائدة... فإنها انتصرت رغم أن كل الجو المادي لم يكن ملائماً لها. وعندما أصبحت الثورة بسفرائها ومجاهديها على مقربة من هذا البلد تمكنت من التعمق أكثر في النفوس، وإذا بهؤلاء الذين كانوا لسنوات طويلة ضحايا الحسابات المادية.. ينفلتون من هذا العقال ليتحولوا إلى طاقات هائلة القوة ويحولوا مراكز العدو وتجمعاته إلى كتل وأشلاء.. ويعطوا لذلك العدو حجمه الحقيقي وليس أكثر.

وكذلك لم يطل العهد طويلاً لتبدأ حسابات جديدة في داخل الكيان الإسرائيلي بعد أن ذاق الجيش مرارة الهزيمة وعض الكثيرون على أصابعهم ندماً على هذا الاحتلال "غير المدروس".

لقد أعلنت إسرائيل أن الهدف من هذه العملية العسكرية هو حماية المستعمرات في شمال فلسطين المحتلة بل وأسمت نفس العملية عملية سلامة الجليل وهذا يعني أن لا يكون هناك تهديد لتلك المستعمرات من قبل الفلسطينيين...

ولكن الشعار المعلن شي‏ء والواقع شي‏ء آخر.. فقد كان الهدف في الواقع هو الاحتلال وإلى الأبد وهذا ما انعكس في الأجواء السياسية والإعلامية آنذاك... وكادت تبدأ مجموعة من الأنشطة الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية وأبرزها بناء مستعمرات على هذه الأرض لولا أن المقاومة قد بدأت عملياتها العكسرية.

وإذا كان الفلسطينيون هم الهدف بالفعل.. فلماذا لم ينسحب هذا العدو بمجرد أن غادر الفلسطينيون الأراضي اللبنانية براً وبحراً واستبيحت المخيمات الفلسطينية وحصلت مجازر في بعضها.. ولم يكن يبقى منها شي‏ء بعد ذلك.

لعل كثيراً ممن يقرأون التاريخ الذي نعيش.. ويمرون على مرحلة الاجتياح الاسرائيلي ثم الانكفاء فيما بعد... يصعب عليهم أن يقروا بأن رجالاً من هذا البلد تمكنوا من قهر هذه القوة الاستكبارية وأجبروها على الإنسحاب.

لقد اعتاد هؤلاء على أن القوى الكبرى لا تهزمها إلا قوى مثلها وما عدا ذلك فهو كلام فارغ بنظرهم.. وينسى هؤلاء أن قوى كبرى وجدت في التاريخ ثم زالت بعد فترة من خلال ظهور غيرها الذي هزمها وهو لم يصل إلى مستواها.

إن عدم الثقة فيما بين أيدينا هو السبب الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه فيما مضى.. وهو ناتج عن بعد الأمة عن منهج الله تعالى الذي يمد بالقوة والعزيمة ويهي‏ء أسباب النصر الحقيقية ويرعى هذه المسيرة من البداية إلى النهاية.

بمثل هذه التعابير كان سيدنا الشهيد ينطق فيلقي باللائمة على من يتولى.. ويعبى‏ء من يقبل بقلبه ليفهم الحقائق أولاً ثم يحاول أن يغير ما حوله.

وكانت هي جوهر الكلمات التي كانت ينطق بها سواء في صلاة الجمعة أو في الاحتفالات... أو في دروسه التي كان يعطيها في المعسكرات التدريبية... حتى استطاعت هذه الكلمات أن تؤتي ثمارها بعد فترة من الزمن.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:55

التأسيس والبناء
في تلك المرحلة التي أعقبت الاجتياح الاسرائيلي تستطيع أن تركز أنشطة سيد الشهيد في عدة محاور.

أولاً:
تثبيت صلاة الجمعة في بعلبك حيث كان يؤم المصلين في هذا اليوم المبارك.. وكانت صلاة مشهودة يحضرها المؤمنون من أنحاء البقاع فضلاً عن مدينة بعلبك.. وتحولت الصلاة العبادية السياسية إلى موقع قوي من مواقع التعبئة الروحية والجهادية.

وهذا هو المرجو من صلاة الجمعة فليست هي مناسبة للخطيب بأن يبرز مواهبه الخطابية من دون أن يلامس حاجات الناس. كما ليست هي مجرد فرض واجب على أعناق الحضور فيجلسون فترة يستمعون إلى خطبة لا تقدم ولا تؤخر بالنسبة إليهم شيئاً.. إذ أن الواجب هو نفس الحضور وانتهى الأمر.. بل إن صلاة الجمعة بالنسبة إلى الخطيب هي أن يعرف الناس على المشاكل التي تعترض حياة الأمة وكيف يمكن لنا نحن أن نعالجها فيبين لهم ما يضرّهم وما ينفعهم ليكون لهم الموقف فيما بعد... وبالنسبة إلى الجمهور فإن صلاة الجمعة هي مناسبة ليتعارف المؤمنون مع بعضهم أكثر ويتعرفوا على ما يحصل في أوساطهم أكثر ويتعدى ذلك مجرد الحضور ليصل إلى معالجة المشاكل بحسب ما رأوه وسمعوه في هذه المناسبة الكريمة. لقد استطاع أبناء المنطقة من خلال هذا المنبر أن يتفهموا الواقع الجديد الذي جاءت دوائر الاستكبار تثبته وتقيم دعائمه وإذا بهؤلاء الذين يتحملون عناء الشاركة في هذه الصلاة يتحولون إلى جمهور واع محيط بما حوله... ملم بالأوضاع الثقافية والفكرية والسياسية... كل ذلك بفضل الجهد الذي بذله السيد الشهيد ومن معه من الأخوة الذين ثبتوا في هذا المسير الطويل.

ولا يزال أهل المنطقة يعيشون حرارة تلك الأيام.. ولا يزال صوته إلى الآن مدوياً في ذاكرتهم، وعلى الرغم من تقدم الحالة الإسلامية عموماً في مجال التوعية الإعلامية والثقافية والسياسية، إلا أن لذلك المنبر الخاص دوره المتميز والذي لا يمكن لشي‏ء أن يقوم مقامه.

ثانياً:
مضاعفة الجهد في المجال التبليغي.. فإن المنطقة بأسرها تعيش وضعاً صعباً.. كان من جملة أسبابه عدم معرفة الناس عموماً بما كان يجري من أحداث ووقائع.. وترك الأمور السياسية بيد أربابها ولم يكلفوا أنفسهم عناء المشاركة فيها.

هذا الواقع المر خلف مرحلة صعبة ي‏طلب من الجميع الآن المشاركة فيها لإنقاذ ما تبقى من الأمة... وليس هناك من يتحمل هذا الأمر أكثر من علماء الإسلام الذين هم أدلاء الناس على الحق والصواب.

وفتحت أمام كل الطلاب في الحوزة العلمية أبواب التبليغ... وتحولت منطقة البقاع إلى مسرح كبير لهؤلاء المبلغين.. وخصوصاً في الأطراف.. وقد وضع حرس الثورة في ذلك الوقت إمكاناتهم في خدمة السيد عباس ورفاقه.. فكانت سياراتهم هي التي تنقل المبلغين من مكان إلى آخر، وتمكنوا من التمركز في كثير من المناطق وجعلوا من هذه المراكز مواقع للتوعية والتوجيه والإرشاد لبعض من المبلغين.. ومنطلقاً للعمل لبعض آخر منهم.

ولم يكن هؤلاء المبلغون سوى تلامذة السيد الذين رباهم ليصلوا إلى هذه المرحلة.. وتمكن من خلالهم من جعل الحالة الإسلامية تنمو وتكبر من خلال هؤلاء الناس الذين يجري التبليغ في أوساطهم وإذا بمنطقة البقاع التي أريد لها أن تكون موضعاً للجهل والابتعاد عن كل منابع المعرفة... وبالتالي عن القرار السياسي.. إذا بها تتحول إلى منطقة تعيش هم المناطق الأخرى وتسعى ليكون لها دور في إزالة العوائق... ومن خلال هذه المنطقة بأبنائها وإحيائها وقراها ومدنها خطت الحالة الاسلامية طريقها لتصل إلى أهدافها.. وأصبح أهل هذه المنطقة رغم كل الحواجز التي وضعت أمامهم من قبل... من صانعي القرار السياسي في البلد... وكل الأحداث والمنعطفات السياسية التي جرت فيما بعد تدل دلالة واضحة على المكانة المرموقة التي وصل إليها أهل هذه المنطقة.

ثالثاً:
تهيئة المجاهدين بمختلف السبل ليقوموا بمهمة دفع الاحتلال وتحرير الأرض فليس هناك ما يمكن أن ندفع به المحتل عن أنفسنا سوى القتال وأما الاعتماد على الغير فهذا زمنه قد ولى إلى غير رجعة.

وإذا لم نكن نمتلك من القوة الفعلية ما نحرر به أرضنا فإننا نقاتل بما يمكن.. ونستنهض كل الأمة مستقبلاً لتأخذ دورها في عملية التحرير.. وكانت التهيئة تعتمد على تدريب المقاتلين ليصلوا إلى المستوى المطلوب. هناك حاجة إلى مختلف أنواع السلاح ليتمّ التدريب عليها ولكن الفائدة الكبرى كانت في الطاقة الروحية التي تعطى لهؤلاء المجاهدين والتي تحتاجها الأمة أكثر من حاجتها إلى السلاح والمؤونة.

وهذا ما كان يزرعه في المجاهدين عندما كان يزور معسكرات التدريب أو عندما يستقبل مجموعات منهم قبل التدريب أو عند تخريج هذه الدورات العسكرية.

وقد أثمرت هذه الحملة عن أعداد مئات المقاتلين في الأشهر الأول التي أعقبت الاجتياح الاسرائيلي.. وأخذت أعداد كبيرة من خارج منطقة البقاع، وبالتحديد من الجنوب وبيروت حيث كان الاحتلال تتقاطر إلى معسكرات التدريب... حيث يتم إعداد هؤلاء ليكونوا مقاتلين فعليين ومشاركين حقيقيين في التصدي للوجود الإسرائيلي في هذا البلد.

إن سنوات طويلة من عمل المنظمات مع إمكانيات هائلة لم تكن كافية لإعداد مقاتلين يمنعون هذا العدو من اجتياح كل معاقلنا.. بينما أشهر قليلة بإمكانيات متواضعة كانت كافية لتهيئة مجاهدين سوف يخرجون هذا العدو المحتل من الأرض والغرق ليس في الناحية الكمية لهذه الأعداد.. بل في نوعيته وكيفيته.. حيث كان يزرع هذا السيد المجاهد وإخوانه في ذهنية المقاتلين الهدف الحقيقي الذين من أجله ينبغي أن يكون القتال...

ولا يمكن أن نصف بكلمات كيف وصل هؤلاء إلى تلك المرحلة من المنعة والقوة والصلابة لأن الأمر خارج نطاق الوصف.. ولكن العدو الإسرائيلي يعرف أكثر من غيره أي نوعية من الناس هم مجاهدو المقاومة الإسلامية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:56

رابعاً:
السعي الحثيث من أجل تحقيق الوحدة الإسلامية، وقد رفعت الثورة الإسلامية هذا الشعار وطلبت من المسلمين أن يحققوه في أوساطهم ليوجهوا من خلال ذلك ضربة كبيرة إلى الاستكبار العالمي... وكان المسلمون يعيشون الخلافات المتنوعة ومن خلال هذه الخلافات عاشوا التشرذم طويلاً.

لقد استطاعت الثورة الإسلامية أن تحدث صدمة في حياة الأمة الاسلامية ولكن هذا يحتاج إلى عمل دؤوب ورعاية متواصلة ليسفر في النتيجة عن وحدة حقيقية.. ولذلك نرى سيدنا الشهيد وهو يستفيد من مناسبة أسبوع الوحدة الإسلامية في الفترة الممتدة بين الثاني عشر والسابع عشر من شهر ربيع الأول.. فيؤسس في البداية للقاءات واحتفالات تقام في هذه الفترة مرة في مركز من مراكز الشيعة وأخرى في مركز من مراكز السنة حتى أصبحت سنة بعد سنة أمراً متبعاً ومن خلال هذه المناسبات كانت تقام العلاقات بين الأطراف الإسلامية التي كانت لا تعيش إلا الخلافات الداخلية.. ولم تكن هذه اللقاءات مناسبة ليملي أي طرف رأيه على الطرف الآخر بل كانت مناسبة للحوار في مختلف القضايا الإسلامية المعاشة التي ينبغي أن تتوحّد حولها جهود أبناء الأمة الإسلامية.

في البداية كانت هناك لقاءات لأفراد قلائل ثم بعد ذلك أخذ العدد يتزايد شيئاً فشيئاً إلى أن وصل إلى المرحلة المعاصرة حيث الاحتفالات المشهودة والحاشدة بهذه المناسبة المباركة.

في البداية كانت هذه المناسبة لا تحمل أكثر من مجرد اللقاء بين المسلمين.. ثم بعد ذلك أخذت تتضمن الطروحات الإسلامية لمعالجة مختلف القضايا.

وفي البداية كانت هذه المسألة تحتاج إلى من يلاحقها ويتابعها ثم بعد ذلك صارت جزءاً من حياة المسلمين.

وفي البداية كانت بعلبك هي المكان الذي يتواجد المسلمون فيه بأطرافهم ثم بعد ذلك صارت كل المناطق معنية بهذا الجانب وقد لمسنا الآثار الكبيرة لهذا العمل في المراحل اللاحقة.
خامساً:
البدء بتأسيس حزب الله وهذا هو الأمر الجوهر ومن خلاله يحفظ ما تقدم من أهداف حيث كان الوضع يفترض قيام إطار فيه مجموعة من المواصفات.

فيجب في هذا الإطار أن يؤدي الدور الذي يقوم به المجاهدون من خلال الأعداد والتهيئة من جهة. والتنسيق بين وحدات العمل من جهة ثانية.. وتأمين السبل لدعم هذا الدور الجهادي بما يلزمه من سلاح وعتاد من جهة ثالثة. ويجب أن يلتزم فيه بالحد الأدنى من العقد التنظيمية ليكون قادراً على استيعاب الأمة بأسرها ولا يكون الوضع التنظيمي حائلاً بين هذه الأطار بكل أفراده وأجزائه وبين الشرائح الاجتماعية المختلفة.

ويجب فيه أيضاً أن يحقق في ذاته الالتزام الكامل بأحكام الإسلام ليصبح وسيلة من رسائل الدعوة إلى الله تعالى.

ولم يكن البدء بتشكيل حزب الله هواية.. أو إرواءً لرغبة في نفس السيد الشهيد وبقية الأخوة معه.. بل كان عملاً لا بد منه.. فلم يكن بالإمكان الاعتماد على تنظيم قائم.. لأن كل التنظيمات القائمة كانت قد تعرضت لامتحانات لم تست‏طع أن تتجاوزها بنجاح.. بالإضافة إلى أن الطروحات التي ينبغي أن يحملها حزب الله... لا يست‏طيع الآخرون أن يحملوها.. وقد عانى هؤلاء الأخوة المؤسسون في البداية معاناة شديدة وعملوا في ظروف قاسية حيث لم يكن الجو ممهداً لقيام تنظيم جديد ولا سيما أنَّ الفكرة عن الأحزاب في المجتمع اللبناني لم تكن تشجع على القيام بعمل كهذا.

وثمة نقطة أخرى وهي أن العمل المقاوم كان يحتاج إلى جهد غير عادي على مختلف الأصعدة بالإضافة إلى أن العمل في بداياته لا بد أن يحيط نفسه بعامل الكتمان.. ومعلوم أن السّرية في العمل تشكل ضمانة للنجاح ولكنها تحتاج إلى جهود مضاعفة نظراً إلى أن الترابط التنظيمي في العمل السري لا يسري بالسرعة التي يسري فيها في العمل العلني... وبالتالي فإن أي إجراء يحتاج إلى وقت أكثر وإلى جهود أعظم.

ولا نقول أن هذا العمل السرّي كان يحمل الجهد والمتاعب فحسب بل إنه حفظ هذا الكيان بقيادته ومفاصله الحيوية في الفترة العصيبة التي يحتاج فيها إلى الرعاية الكاملة. ولكننا نقول إن عملاً كهذا يريد أن يخاطب أفراد الأمة بأكملهم.. ويفرض نفسه في واقع الأمة كبديل عن الطروحات الأخرى أو كرديف لها أو كفرد من أفراد تنظيماتها وكياناتها... وهو لم يكن يملك شيئاً من الوسائل يعلن بها عن نفسه... إن عملاً بهذا الحجم لم يسبق أن سمعنا به في تاريخنا.

ولقد تمكن هذا الجمع من الأخوة مع السيد الشهيد أن يحددوا الهوية لهذا التنظيم الجديد فهو تنظيم مقاتل للعدو الإسرائيلي.. وليس حزباً سياسياً بالمعنى المتعارف الذي يجعل العمل العسكري والقتالي في مصلحة العمل السياسي بل أن الهدف المرحلي هو إخراج هذا العدو من المناطق التي أخذها بالعدوان والاحتلال والغصب.. بغض النظر عن المكتسبات السياسية.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:57

حلم يتحقق
كانت هذه مرحلة جديدة طالما كان يحلم بها.. فإن قتال العدو الإسرائيلي أصبح في المتناول. وهو يعتبر هذه نعمة من نعم الله تعالى عليه حيث أنه يعيش في من‏طقة تماس مع هذا العدو ويمكن أن يوجه ضربات إليه وفي الواقع لم يكن بإمكان أحد أن يزرع عدواً في ذهنه سوى إسرائيل.. ذلك الكيان الذي عاش مذ كان طفلاً وهو يفكر في فعل شي‏ء ضده لعله يرد إلى الأمة شيئاً من الكرامة المفقودة.

وكان يعلم أن قتال إسرائيل ليس أمراً متيسراً... فهو يعلم بصعوبة القتال... وبأن إسرائيل تتترّس بعملاء زرعتهم ليكونوا خدماً وعبيداً لها وأكياس رمل يقف جنود العدو خلفهم... وبأن إسرائيل إذا تعرَّضت لخسارة فإن ردها سيكون في غاية العنف...

ولكنه بالمقابل كان يقول بأن خسائر كثيرة قد تعرضت لها صفوف الأمة في معارك داخلية.. فلو قدم جزء من الخسائر في معركة الأمة الحقيقية فإن هذا الجزء سوف يحمي من تبقى وإلا فإن الأمة بأكملها سوف تضمحل إذا لم تست‏طع أن تضع قدمها على ال‏طريق الموصل إلى العزة والتحرير.

صحيح أن مقومات الصمود ليست موجودة في مجتمعنا الآن فضلاً عن تلك المرحلة... إلا أن قرار التصدي للعدو يجب أن يكون مستقلاً عن أي اعتبار آخر.. وإن أي ربط للتصدي بأمر من الأمور هو بنظره هروب من هذا الواجب.

وقد تحقق ذلك وبدأت في أرض الواقع ثمار الجهد الذي بدأ من هذه الثلة المخلصة... وإذا بروحية الشهادة والشهداء تثبت للملأ أن الدم يمكن له أن ينتصر على السيف.

وبدأ في المنطقة عهد الاستشهاديين.. بدءاً بفاتح ذلك العهد الشهيد أحمد قصير في الحادي عشر من شهر تشرين الثاني من عام ..1982مروراً بأفراد قافلة هؤلاء الحواريين التي لا نهاية لها وتبدأ معه مرحلة جديدة من مراحل هذه الأمة مرحلة العزة والكرامة مرحلة الشعور بالوجود وهذا ما لم يكن ليحصل جزافاً. وإنما كان ثمرة إخلاص وجهد كانا شرطاً لنصر الله تعالى ولم يكن السيد عباس وأخوته مواكبين لبداية العمل فحسب بل كانوا موجودين وبقوة في ساحة الصراع الذي بدأ في تلك المرحلة وفي كل مفصل من مفاصله... ولم يكتفوا بمجرد توجيه ضربة للعدو في معقل من معاقله لأن الم‏طلوب هو إزالة ذلك العدو وهذا ما صرح به السيد الشهيد في أكثر من موضع.

وبدأت الأمة تستيقظ شيئاً فشيئاً من كبوتها على أصوات المجاهدين من أبنائها وبدأنا نرى الآثار المذهلة لقافلة الشهداء والمجاهدين في أوساط هذه الأمة.

وأصبح الجميع يدركون أن الابتعاد عن جوهر الصراع وعن الإمساك بزمام الأمور سوف يزيد الأمور تعقيداً ولن تصل الأمة إلى أهدافها إلا إذا سارت هي على نهج أولئك الأبناء الغيارى الذين كانوا السابقين إلى لقاء الله عز وجل.

وإذا كانت الأمة قد ابتعدت عن جوهر الصراع وعاشت على هامش الأحداث.. فإن سيدنا الشهيد كان يثق بأن هذه الأمة إذا استيقظت فسيكون لها شأن عظيم... وإن دورنا هو إيقاظها من خلال هذه الجهود المباركة للمجاهدين والشهداء.

لقد كان له اليد الطولى في وضع العجلة على السكة الصحيحة ولكن الأمر يحتاج إلى عناية ورعاية بشكل دائم ومستمر. وأصبح بيته ومسجده ملتقى للمجاهدين الذين يقصدونه من مختلف الأماكن ليعالج بعض الشؤون المستعصية في عملهم الجهادي ضد العدو. حيث إن الروح الجهادية كانت أقوى بكثير من الإمكانيات المتاحة لذلك كان لا بد من احتضان المجاهدين وخصوصاً في تلك الفترة العصيبة.

مشاركة الجماهير بالإستعداد
في الداخل اللبناني كانت عقبات وموانع كثيرة تحول دون قتال العدو الإسرائيلي تضاف إلى ما ذكرناه من قبل في الموانع.

فالحرب الأهلية التي عصفت بلبنان جعلت قتال هذا العدو آخر الهم.. وهذا جزء من مخطط هذه الحرب.. ولا تنفي حصول عمليات بين الحين والآخر.. ولكنها عمليات محدودة عادة إذ أن الجبهة الداخلية كانت تأخذ الكثير من ال‏طاقات والامكانات.

وقد استعرت النيران أكثر حين قامت إسرائيل بتنصيب رئيس للجمهورية بحماية دباباتها وقوتها المدمرة... وذلك من أجل الحفاظ على مصالحها وما است‏طاعت أن تسي‏طر عليه في احتلالها.

وكان على المجاهدين الذين يريدون قتال هذا العدو أن يتخلصوا من كل الموانع.. وأن يتجاوزوا هذه المتاريس الداخلية ليصلوا إلى العدو الأصلي ويحاربوه.

وهنا يتحمل سيدنا الشهيد مسؤولية كبيرة إذ عليه أن يوجه المجاهدين توجيهاً دقيقاً ليصلوا إلى أهدافهم.. ولا يضيعوا في الأوضاع الداخلية على الرغم من المشاركة الفعالة في الداخل في الدفاع عن كرامة المستضعفين... وكان لا بد من إشراك جماهير الناس لتأخذ دورها في ذلك.. وهذا ما حصل في شهر تشرين الأول من عام 1983عندما قاد هو بنفسه عملية إنقاذ الثكنة العسكرية التابعة لجيش السلطة آنذاك وجعلها معقلاً للمجاهدين... ولم يكن الانقاذ عبارة عن احتلال عسكري لها.. وإنما استطاع أن يهي‏ء القاعدة الشعبية التي ينبغي أن يكون لها دور في الصراع..

ولم يكن الدخول إلى ذلك الموقع أمراً سهلاً ميسراً ولكن حسن التخطيط والتنظيم أوصل إلى المطلوب بعد حسن التوكل على الله عز وجل.. ولم تطلق رصاصة واحدة... لتصبح هذه الثكنة موقعاً أساسياً لتدريب وتجهيز وتهيئة المقاتلين لسنوات طويلة فيما بعد. وهذا يمثل أحد أهم الأهداف من وراء هذه الحركة الشعبية إضافة إلى توجيه ضربة للنظام المستبد القائم آنذاك.

وقد شكل هذا العمل دفعاً معنوياً كبيراً لكل المجاهدين الذين وجدوا في هذه الثكنة العسكرية متنفساً كبيراً لهم ومثل خطوة كبيرة في صيرورة منطقة البقاع الأوسط والشمالي عموماً.. من‏طقة تدين بالولاء لهذا التنظيم المجاهد: حزب الله ومقاومته الإسلامية... وفي نفس الوقت شكل ضربة معنوية رهيبة لكل قوى الاستكبار التي كانت ترى أن العمليات ضد القوى المستكبرة تنطلق من هذا المكان تعرَّضت الثكنة لعدة غارات عسكرية كان أولها غارات الطيران الفرنسي في أواخر تشرين الثاني من عام 1983 ثم كان دور الطيران الإسرائيلي الذي قام بعدة غارات على الثكنة وعلى مراكز مدنية في مدينة بعلبك وخارجها.

وقد شكلت هذه الغارات تحدياً جديداً للمجاهدين كان الصهاينة يتصورون من خلاله أن عزيمة هؤلاء المجاهدين ستخور وستضعف قوتهم من خلال هذه الضربات المتواصلة... وعلى أي حال فإن قصف الأماكن المدنية سيثير غضب المدنيين وسيشكلون عامل ضغط على المجاهدين..

غير أن الرهان على وقوف جماهير المنطقة يوجه أبنائهم هو رهان على سراب فإن هذه الجماهير التي كانت تنظر إلى قياداتها وبالأخص إلى السيد عباس وتراه معها في كل الظروف.. كانت تؤمن بأن هذه المرحلة الصعبة لا بد من عبورها لنصل إلى المستقبل.. ولم تكن المرحلة سهلة على الإطلاق.. فإن مناظر الجثث الممزقة والأطراف المق‏طعة كان يثير الرعب في النفوس إلا أن هذا لم يكن بحال مبرراً لأن تتجمد الأمة أمام آلامها هذا الواقع المرير.

إن أي تجمع بشري سوف يضعف أمام أحداث كالأحداث التي جرت في تلك المرحلة لولا وجود نماذج قيادية من طراز هذا المجاهد الفذ الذي كان حاضراً بين عوائل الشهداء الذين سقطوا وحاضراً بين المجاهدين يشد عزيمتهم وحاضراً في وسط الأمة يصبرها ويأخذ بيدها لتمضي إلى الأمام رغم كل المخاطر والصعوبات.. ولا سيما بعدما أصبحت كل بعلبك ومناطق الجوار أهدافاً متوقعة للطيران الإسرائيلي. وكانت الحوزة العلمية إحدى أبرز المناطق المتوقع قصفها في المدينة وهذا ما جعل البعض يتجنب حتى المرور من أمامها.. إلا أن السيد عباس الموسوي يأبى إلا أن يسجل موقفاً جديداً في الب‏طولة والشجاعة حيث بقي يذهب إلى حوزته ليدرس فيها وبشكل يومي ولم يكن أحد من الطلاب إلا ويعتقد بأن هذا اليَّوم هو آخر يوم للحوزة لأنها سوف تدمر.. وقد جعلهم السيد في حل من أمرهم ولكنه في نفس الوقت أبرز لهم أهمية الصمود في هكذا مواضع وأي مجد يناله الإنسان الذي يستشهد وهو يطلب العلم في موقع من هذه المواقع وكم تمنى عليه الكثيرون من الأخوة عن محبة وإخلاص له.
بأن يترك الحوزة ولو لمرحلة معينة إلا أنه رفض رفضاً قاطعاً.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 22:59

أولاً: لأن هذا مخالف لأصل المبدأ فمن كان يطلب الشهادة فإنه لا يحدد الموقع الذي يسقط فيه شهيداً وإنما عليه أن يوطن نفسه على الالتحاق بقافلة الشهداء وأما المكان والزمان والكيفية فهذا يرجع إلى علم الله سبحانه ومشيئته.

وثانياً:
لأن الناس تنظر إلى هؤلاء وتتلمس من خلالهم طريقها نحو الأمام.. ولعل الكثيرين من الناس ممن كانوا ينظرون إليه وتطمئن نفوسهم من خلاله.. كانوا يشعرون بالأنس في أن يعانوا مثل ما يعاني ويتحملوا مثل ما يتحمل من الأعباء.

ولعل قسماً آخر من الناس كان يحتاج إلى شي‏ء من تهدئة الروع فكان ببقائه في هذا المكان في هذا الظرف الخطير كأنه يقول لهم ليس الوضع خطيراً كما تعتقدون مما يسهل على هؤلاء أن يعيشوا حياتهم الاعتيادية.

ولذلك كان يتعمد أن يعطي مواعيد لبعض الأشخاص ليلاقوه في داخل الحوزة العلمية.

ويتحدث بعض الطلاب عن هذه المرحلة فيقول إنه في الأيام الأولى للدرس في هذا الظرف الصعب.. كنا لا نفهم شيئاً عما يدور في حلقة الدرس ولكننا كنا ننظر إلى وجه هذا الأستاذ الكبير الذي لم يتغير على الإطلاق تحت تأثير أي ظرف من الظروف فكنا نشعر في البداية أن تكليفنا هو البقاء في هذا المكان حتى ولو أصابنا الخوف الذي لا بد منه في البداية.. ثم أصبح الأمر اعتيادياً وكأن شيئاً لم يتغير في الخارج.

وفي نفس الوقت كان بيته يشكل هدفاً آخر متوقعاً لغارات العدو.. وبالتالي فهو يخرج من خطر ليدخل في خطر آخر... ومع ذلك فلم يفكر يوماً في أن ينام خارج البيت بل كان وباستمرار يواظب على التواجد هناك وعلى أن يراه الناس هناك.. وعندما كان يلح عليه البعض بضرورة مغادرة بيته والمكث في مكان آخر. كان يقول لهم وهل تستطيعون تأمين بيوت للجيران الذين يشعرون بالخوف بسببي.

أمام منطقه الحازم والشجاع كان لا يملك أحد أن يثني هذا القائد عن عزمه... ولا سيما عندما كان يجاري بعض الأخوة الذين يطلبون منه مثل هذا.. فهو يسلم معهم ظاهراً بأن هذا المكان خطير ويجب أن نذهب إلى مكان آخر.. ولكن أين هو المكان الذي لا يصل إليه طيران العدو.. أو أين هو المكان المحصن ضد غارات طيران العدو إلا إذا كان المهم هو أن تسلم أرواحنا ويبقى كل شي‏ء على حاله فعندئذٍ لا خطر علينا حتى في هذه الأماكن التي نعيش فيها وتطلبون منا أن نغادرها.. لأن إسرائيل لا تريد أن تقصف مكاناً أو أمكنة وإنما تريد أن تقتل أشخاصاً وتروع آخرين.

وعندما اعتاد الناس على أجواء الغارات وتحليق الطيران فيما بعد أدرك هؤلاء صواب المنطق الذي يتكلم به ذلك الرجل الرباني.

ثمة أشياء ينظر إليها عامة الناس على أنها حالة شاذة لا تلبث أن تنقضي.. تكون بنظر غيرهم هي الأصل... أو ينبغي أن تكون كذلك كما هو الحال في هذه الأخطار التي كانت تحيط به فهو يعتبر أن مثل هذه الأخطار هي الأصل في حياة الإنسان صاحب الرسالة بينما هي عند الآخرين خروج عن القاعدة.. وينبع ذلك الاختلاف من الاختلاف في النَّظرة إلى الحياة الدنيا وماذا تمثل في نظر هذا الإنسان أو ذاك.

إن من يفهم الحياة الدنيا على أنها دار القرار وهي منتهى الأمال... فسوف يشعر بالمرارة والخيبة والحسرة كلما تعرض لشي‏ء يسير من البلاء في هذه الحياة... وبالمقابل أن من يفهم هذه الحياة على أنها ممر إلى الدار الآخرة فسوف يرى كل شي‏ء يقف في طريقه أمراً طبيعياً في رحلته لأنه لا يريد الخلود في دار الدنيا.

وكم يسمع المجاهدون منه هذه الكلمات التي تذكرهم بالآخرة والمصير والتي من خلال مدلولاتها يعلمون لماذا لا يتغلغل الخوف إلى قلبه... ولا يجد اليأس إلى أعماقه سبيلاً.

لقد تحولت كل الأماكن التي كان يرتادها إلى مواقع، لمواجهة العدو الإسرائيلي.. من بيته الذي كان بلا حراسة رغم كل الأخطار المحدقة به في ذلك الحين إلى حوزته التي تحولت إلى موقع جهادي متميز المكانة لا يزال لها ذلك المقام التعبوي الكبير على مستوى المنطقة والأمة.

إلى ثكنة أمير المؤمنين (ع) حيث كانت له مجموعة من النشاطات فيها مع قيادات العمل الجهادي.

إلى معسكرات التدريب التي كان دائم الرعاية لها.. وعلى تواصل دائم مع أفرادها.

هذا بالإضافة إلى نشاطه التبليغي المتميز في طول المن‏طقة وعرضها حيث تمكن من زرع عقلية جديدة في صفوف الجماهير.

وهو في كل هذه المواقع والأمكنة يعرض نفسه للأخطار... ولا سيما أن مناطقنا بشكل عام كانت تتعرض في تلك الأوقات لموجة من التفجيرات تقف وراءها أجهزة الاستخبارات العالمية ولا سيما الأمريكية بحيث لم تنج منطقة من المناطق من مجزرة مروعة ولا سيما مدينة بعلبك التي كانت عرضة لكثير من عمليات التفجير.. إلا أن هذا لم يكن ليؤثر شيئاً على عزيمة المجاهدين وسيدهم.. بل كان يتعاطى مع كل ذلك الخطر على أساس القاعدة القرآنية.

"إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون" نعم فالعدو الصهيوني ومن ورائه سيدة الاستكبار في هذا العالم أمريكا قد أصيبوا بالهلع والرعب نتيجة ما رأوه من بأس وعزيمة المجاهدين في هذا البلد المظلوم.. ورأوا كيف اقتحم مجموعة من فرسان الاستشهاد وفي لبنان مراكز الاستكبار المحصنة فتحولت بلحظات إلى أثر بعد عين..

كان لا بد أن تكون ردة الفعل عنيفة... ولكن ردة الفعل مهما كانت قوية... فهي تبقى ردة فعل.. وتبقى الأمة هي صاحبة الفعل الأقوى في صراعها مع عدوها.

ولم يعد لذلك العدو بكل ما يملك من أسلحة الدمار سوى أن يقوم بمحاولة رد الاعتبار بعد أن تعرض للإذلال على يد المجاهدين.

وإذا كان الاستكبار العالمي قد أصيب بالاحباط في لبنان.. وإذا كانت إسرائيل هي الأخرى قد ذاقت الأمرين.. فلا عجب أن النظام الذي كان يحكم في لبنان من خلال الحراب الإسرائيلية لاعجب أن يتعرض بدوره لما يناسبه من المهانة.. ولا سيما أن أصداء العمليات الاستشهادية التي قامت ضد الوجود الاستكباري بكل أشكاله... زرعت في الأمة عقلية جديدة وسرى من خلالها في شرايين الأمة دم جديد سوف يبعث الحياة فيما تبقى من أوصالها.

وينتفض الشعب المظلوم ضد ظالميه فيما عرف بانتفاضة السادس من شباط من عام 1984ويكبر الأمل أكثر فأكثر في القضاء التام على الوجود اللاشرعي في لبنان...

لقد تهاوى أحد الأصنام التي صنعتها دوائر الاستكبار ولحماية مصالحها وها هو النظام الطائفي يلفظ أنفاسه نتيجة الضربات التي تعرض لها أسياده.. ونتيجة الوعي الذي أصبح عليه أبناء هذا البلد ولم يعد هذا النظام قادراً على حماية نفسه فضلاً عن تقديم الدعم والحماية للوجود الإسرائيلي والاستكباري في لبنان.

كان لا بد لإسرائيل التي أصيبت بضربات موجعة... من القيام بعمل يمكن أن يوقف موجة العنف ضدها كما كانت تسميها. وحيث لم تنفع الغارات الجوية المكثفة ولا موجات التفجير المتلاحقة ولا زيادة تحصين المواقع لمنع المجاهدين من الوصول إلى أهدافهم.. فلم يعد أمامهم سوى اعتقال رموز المقاومة من علماء الدين.

كان الشيخ راغب حرب رفيق درب السيد عباس الموسوي في النجف الأشرف وكانت تجمعه به مجموعة كبيرة من المواصفات المشتركة... وقد كان التواصل قائماً بين هذين المجاهدين قبل الاجتياح الإسرائيلي.. وآخر اللقاءات كان قبل الاجتياح وبالتحديد في شهر نيسان عام ..1982ثم حال الاجتياح بينهما. ولكن ليعمل كل منهما في حقله لمواجهة العدو المتغطرس، فكل منهما كان يعيش في محيط لا يشابه الآخر أمنياً وسياسياً.. ولكن كان كل منهما يعمل ضمن إمكاناته المتاحة من أجل دحر العدوان عن بلاد المسلمين والمستضعفين.

لقد تمكن الشيخ راغب من جهته من تثوير قطاعات كبيرة من الجماهير واستطاع أن يكون ضميرها الحي مما جعل منه ملاذاً للمجاهدين والشرفاء من أبناء الأمة... حتى إذا أخذت عمليات المقاومة بالتصاعد.. كان بالإضافة إلى احتضانه للمجاهدين لسان المقاومة والمقاومين كان لا يترك تجمعاً إلا ويبث فيه روح التضحية والفداء.. ولا مناسبة من المناسبات إلا ويكون فيها صاحب المنبر الحر الأبي..

وبعد أن بلغت المقاومة ما بلغته من القوة والصلابة شاءت إسرائيل أن توجه ضربة إلى هذه المقاومة وذلك من خلال اعتقالها للشيخ راغب حرب... على أمل أن تسكت صوته بالترهيب أو بالترغيب أو بكليهما... ولكنها وبعد فترة وجيزة من اعتقاله أدركت أنها أمام نم‏ط من الرجال لم تعهده من قبل فهذا لا يتأثر بلغة الترهيب أو الترغيب... لقد رفض حتى مصافحة ذلك الضابط الإسرائيلي لأن الموقف سلاح والمصافحة اعتراف وكانت رد الفعل قوية... فإن علماء الدين لهم مكانتهم في ضمائر الناس...

لقد قررت إسرائيل أن تطلق سراحه ولكن لا لكي تعطيه الحرية وإنما لتجعله هدفاً لجلاوزتها بعد فترة ظناً منها أن هذا يمكن أن يزلزل حالة المجاهدين.

وفعلاً في السادس عشر من شهر شباط عام 1984تم اغتيال الشيخ راغب حرب من قبل عملاء الموساد الإسرائيلي... ووجّهت إسرائيل بذلك ضربة كبيرة إلى الحالة الإسلامية التي كان الشيخ الشهيد أحد أبرز رموزها.

كان تشييع الشيخ الشهيد استفتاءً عرف الصهاينة من خلاله أن هذا الشعب قد انقلبت مفاهيمه وتبدلت آراؤه ووصل إلى مرحلة من الوفاء والتضحية لا يمكن معها ردعه عن خيار الجهاد والمقاومة لقد أيقظ الشيخ راغب بشهادته جزءاً كبيراً من أبناء الأمة كان لا يزال يعيش على هامش الأحداث... بعد أن أيقظ في حياته ذلك القسم الكبير من أمة المجاهدين.

وكان هؤلاء على موعد مع ذكرى أسبوع الشيخ راغب في جبشيت... وكانت المفاجأة تكمن في قرار "توأمه" السيد عباس الموسوي أن يذهب إلى هناك للمشاركة في الذكرى.

لقد اعتقد البعض أنه يمزح عندما أخبرهم بذلك. ثم لما تبين أنه جاد كل الجد في ذلك نصحه البعض وحذره من خوض هذه "المغامرة" الخطيرة... إلا أنه كان قد عقد العزم واتخذ القرار الذي لا عودة عنه.. وطلب ممن يرغب من الأخوة الالتحاق به.

وفعلاً كان هناك جمع من العلماء والمجاهدين يرغب بتلك الرحلة رغم ما فيها.. لأن مرافقة هذا العالم المجاهد بحد ذاتها تحمل ما تحمله من الخير والبركة.

وفي اليوم الموعود اجتمع هؤلاء في الطريق إلى جبشيت... ولكن هل يمكن الوصول إلى هناك؟ هل سيسمح لهم حاجز باتر بالعبور؟ أم سيكون حاجزاً بينهم وبين ذلك؟ ومع الموانع الكثيرة التي يمكن أن تحصل... كانت الصور تتوالى أمام هذا الجمع حتى وصلوا إلى حاجز باتر الذي حال بينهم وبين الوصول إلى المقصد ولكن بعد أن واجه السيد المجاهد جلاوزة العدو مسجلاً نقطة جديدة مضيئة في حياته وحياة الأمة الإسلامية وظهر العدو على حقيقية... الحقد... والضعف... والذلة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:01

على حاجز باتر
تم إنشاء معبر باتر جزين على أثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وكان يتبع مباشرة للصهاينة وكانت نقطته مكان الحاجز الحالي للجيش اللبناني في منطقة باتر الشوف.. وقد حصلت بعض التغييرات بشأنه فيما بعد خصوصاً بعد الانسحاب الإسرائيلي.

لقد تم اختيار هذا المكان بدقة وذلك بملاحظة الموقع الجغرافي للمكان... ومن ثم جعل المعبر الوحيد الموصل إلى الجنوب المحتل.

وكان الحاجز الإسرائيلي الذي أقيم في هذا المكان مركزاً أمنياً خطيراً يثير الخوف في النفوس حيث لا يستطيع أحد "المطلوبين" أن يتجاوز هذا الحاجز نظراً لشدة التدقيق والتحقيق الذي كان يمارس من قبل هؤلاء الجلاوزة.

وكان الجنود الصهاينة يقومون بتفتيش السيارات والأفراد بأعصاب باردة نظراً إلى اطمئنان هؤلاء بأن المقاومين لن يصلوا إلى هذا المكان لبعده ولوعورة المنطقة بشكل عام مما يصعب باعتقادهم قيام أي جهة بعملية عسكرية.

وبناءً على ذلك مارس الصهاينة كل أنواع الإذلال للناس.. على مدار الساعة وبلا حسيب ولا رقيب... وكم عاش المواطنون المعاناة الشديدة والمريرة وهم يحاولون عبور هذا المكان المخيف حيث كانت أرتال السيارات وحشود الناس تنتظر دورها لوقت طويل ولربما لم يكن "دورهم" في العبور هذا اليوم فيضطرهم ذلك إلى أن يناموا قرب الحاجز في العراء أو في السيارات ريثما يتمكنون في اليوم الثاني من اكمال الرحلة إن حصل هؤلاء على الإذن بالعبور.

لقد جعلوا من المهمات الموكلة إلى هذا الحاجز تجنيد أشخاص لصالح المخابرات الإسرائيلية.. ومن الطبيعي لذلك الكيان المجرم أن يقوم بكل هذه الأعمال الإرهابية ليتوصل إلى تجنيد بعض العملاء في جهاز الاستخبارات لديه.

وكانت معاناة المواطنين تشتد كلما كان الوضع الأمني يصاب بالاضطراب فالصهاينة كعادتهم عندما تنالهم أيدي المجاهدين في أي مكان يصبون جام حقدهم على المواطنين الذين يمرون على حواجزهم ومعابرهم إذ لا قدرة لهم للرد على المجاهدين... ومواجهتهم في الميدان العسكري. بل كانوا ولا يزالون يهربون من المواجهة.

في المرحلة التي نتحدث عنها كان الوضع الأمني الداخلي في غاية الاضطراب بعد استشهاد شيخ الشهداء الشيخ راغب حرب على يد عملاء الصهاينة.. فالمجاهدون يتربصون بالعدو.. والجماهير تستشيط غضباً لهذه الجريمة المروعة التي أودت بحياة رجل العلم والجهاد.. والعدو يعيش الرعب من ردود الفعل التي كانت متوقعة في كل حين.

في ذلك الجو المضطرب كان قرار السيد عباس بالذهاب إلى الجنوب والمشاركة في ذكرى رفيق الدرب، فالشيخ راغب له فضله الجهادي الذي لا ينسى... وبلدته المجاهدة الصابرة تنتظر أنصار الإسلام من كل مكان ليحتفلوا بالشيخ الشهيد ولينطلقوا للانتقام من قتلة الأنبياء.

ويصل موكب السيد ورفاقه إلى الحاجز المذكور الذي قرر عناصره مضايقة هؤلاء الوافدين ليجبروهم على الرجوع، وعندما بدأوا بالمضايقة تصدي لهم السيد بقوة وعزيمة وهو يعلم أنه يتصدى لأولئك الذين لم يرعوا من قبل حرمة لنبي ولا لولي وانهمر الرصاص عندئذٍ على مقربة منه ومن سبق من الأخوة وأصيبت بعض السيارات بهذا الرصاص... وحينها تقدم باتجاه الجندي الصهيوني الذي كان يطلق النار والذي أصيب بالرعب والذهول عندما رأى السيد يتقدم باتجاهه فكان يتراجع إلى الوراء وهو يرمي برصاصه إلى الأمام حيث يقف السيد الشهيد الذي قال له بكل صلابة: أطلق النار على صدري وليس على الأرض إن كنت رجلاً.

وبدل أن يدب الرعب في نفوس أعضاء الوفد كما أراد جنود العدو على الحاجز إذا بالرعب يملأ قلوبهم.. ولا سيما وهم يرون بسمة العزة تعلو ثغر ذلك العالم المجاهد.

وحتى يحاولوا الخروج من المأزق الذي أوقعوا أنفسهم فيه تظاهروا بأنهم يقبلون بعبور أعضاء الوفد إلى مقصدهم ولكن بشرط أن لا يكون "هذا الرجل" بينكم. مشيرين إلى السيد عباس وطبعاً لم يوافق أعضاء الوفد "المسموح لهم" على هذا العرض بل آثروا الرجوع بأكملهم ولكن بعد أن سجلوا نقطة انتصار على ذلك العدو الجبان...

صحيح أنهم لم يصلوا إلى مقصدهم وهذا ما يريده العدو إذ هو يفعل كل شي‏ء من أجل أن يثني الناس عن الذهاب إلى ذلك المكان. إلا أنهم تمكنوا من خلال قيادة هذه السيد المجاهد أن يثبتوا للعدو أن هناك أشخاصاً فوق الخوف وفوق الترهيب.

إنه الموقف الأبي الذي لا يمكن للزمن أن يمحوه من الذاكرة سواء من ذاكرة الأخوة المجاهدين الذين تشكل الوفد منهم أو من ذاكرة المحتل الذي أدرك بيقين لا شك فيه أن السلاح يمكن أن يخيف البعض... ولكنه لا يمكن أن يكون الأداة التي تسلب إرادة كل الآخرين.

ورجع الوفد إلى الوطن الحر ولكنّ لا ليكون الرجوع هو نهاية المعركة بل ولا استراحة المحارب وإنما كان الرجوع يهدف إلى غاية هي حث المجتمع أكثر ليصل من خلال ثقافته ووعيه من جهة.. ومن خلال جهاد أبنائه وقوتهم من جهة أخرى... إلى التحرير من كل لون من ألوان الذل والعار... كمقدمة لتحرير ذلك الجزء العزيز من الوطن المحتل.
لقد وضع السيد أمامه مجموعة من الأهداف:

فهو يريد أن يعرف الناس على هوية ذلك الشيخ الشهيد.. ولئن كانت بعلبك قد تعرفت عليه قبل شهادته بما يقارب الشهرين وفي ذكرى المولد النبوي الشريف وأخذ بمجامع القلوب من خلال حديثه العذب.. وخطابه الثوري.. ولا سيما أنه كان خارجاً لتوه من المعتقل.. إلا أن كثيراً من القضايا كانت مجهولة عن هذا العالم الكبير.

إن معرفة هوية هذا الشهيد ولماذا قام وتكلم ودخل المعتقل.. وكيف فعل في داخل المعتقل.. ثم لماذا وكيف استشهد.. تعطي الناس نموذجاً يقتدي به في الظلمات.. وتعطي الصورة الحقيقية لأولئك الحاقدين الذين يقتلون ورثة الأنبياء.. بعد أن قتلوا الأنبياء وكانت هذه سمتهم عبر التاريخ.

وإذا تكشف للناس هوية القاتل والمقتول فهذا يعني خطوة إلى الأمام على مستوى الوعي الموصل إلى الهدف.

وهو يريد أن يرجع إلى الحوزة ليقول طلابها أن مرحلة العلم يجب أن لا تأخذ كل الوقت والاهتمام... فإن علماء الإسلام يجب أن يصلوا إلى مرحلة يتمثلون فيها بالشيخ راغب ويضعونه مثالهم وقدوتهم... وهو لم يكن على المستوى العلمي من كبار علماء الإسلام... ولكنه على المستوى الجهادي الذي من أجله يتعلم الإنسان... وصل إلى المحل الأعلى وبلغ الأمانة الإلهية كأفضل ما يكون البلاغ.

وهو يريد السعي الحثيث لزيادة العمل المقاوم من أجل القاء الرعب أكثر في قلوب قتلة الأنبياء... لإفهام ذلك العدو بأن قتل رمز من رموز المسيرة لا يزيد شعلتها إلا توقداً.

وهو يريد جمع كل القوى الموجودة على الساحة لمقاتلة ذلك العدو.. ويجب تناسي أي خلاف داخلي عند المواجهة لأن هذا العدو لن يحارب فئة ويترك أخرى إلا إلى أمد حتى إذا تفرغ لها أنشب مخالبه فيها ومزقها شر ممزق.. والتاريخ خير شاهد على ذلك.

إن كل هذه الأمور التي أرادها وعمل لها لم تكن متيسرة بل كان كل منها يحتاج إلى وقت طويل وإمكانات هائلة.. ولكن الأهم في هذا وذاك إنه يحتاج إلى من يحمل الهم فوجود هذا الإنسان الذي يحمل القضية في قلبه وعقله يجعلها مطلباً له على الدوام فإذا وصل إلى تلك المرحلة فلا خوف على القضية من الضياع.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:03

الحوزة والجهاد
لقد بدأ فعلاً بتنفيذ ما يريد واستطاع أن يعرف الناس على ذلك الشهيد الكبير... على ما حمل من أفكار وآراء وأراد أن يطرحها في الواقع.. كيف قام ونهض في سبيل التغيير وكيف حمل الهم وتحمل المشاق في طريق الوصول.. فإذا بالشيخ راغب حرب الذي أرادت له إسرائيل أن يكون ضحية قتل في ظروف غامضة وفي مكان معين وزمان مثله.. إذا به يتحول إلى رمز على مستوى كل الأمة... وها هو البقاع بكل فئاته يتحول إلى طالب بثار الشيخ الشهيد وقد سجل ذلك التاريخ اندفاعة جديدة نحو المقاومة المسلحة ضد العدو الإسرائيلي.

ولم يقتصر السيد على البقاع ليجعله منبراً يتحدث فيه عن هوية ذلك الشهيد وعن هوية العدو الذي قتله بل كان منبراً متجولاً في بيروت وبقية الوطن المحرر.

وعلى جبهة أخرى الجبهة التي انطلق منها بالأصل، حوزته العلمية في بعلبك أعطاها اندفاعة جديدة... وبرغم أنها كانت تعيش الأخطار المتعددة منذ بداياتها إلا أنه استطاع أن يخرج منها في كل مرحلة مجموعة من العلماء المجاهدين.

لقد كان في البداية يطمح إلى أن يتحول هذا المعقل العلمي الكبير إلى مكان يمكن أن يتخرج منه علماء مجتهدون في الفقه الإسلامي.. إلا أن هذا كان يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير لم تكن الأحداث المتسارعة التي مرت على هذا البلد لتسمح به.. إذ أن المطلوب رفد الحركة الشعبية المتنامية على الدوام بمن يرشدها ويبعث فيها روح الجهاد.

في البداية لم يكن يريد للطالب أن يلبس ثياب علماء الدين إلا بعد أن يقطع مرحلة طويلة من الدراسة ولكن هذه الظروف التي حصلت في الساحة حالت دون ذلك... ووجد نفسه مضطراً لإقحام كل طلاب العلوم الدينية في العمل الجهادي والسياسي والتبليغي ولو أدى ذلك إلى الأخذ من دراستهم وتحصيلهم لأن تحصين الساحة أولى من كل الاعتبارات.

وفي تلك المرحلة كانت أولى المجموعات من طلبة العلوم الدينية في حوزة الإمام المنتظر عجل الله تعالى فرجه الشريف يضع أفرادها العمائم على رؤوسهم بعد المجموعة التي أتت أساساً من النجف الأشرف على هذه الصورة... كانت هذه مرحلة جديدة من مراحل الحوزة التي أريد لها أن تكون موقعاً جهادياً متقدماً.

إن مرحلة الإعداد التي كان قد قام بها لهؤلاء الطلاب كانت كافية ليكونوا من عداد العلماء المجاهدين في المجتمع حيث كان قد ألزمهم بعدّة دروس في البداية... وكان يشرف على أدائهم ويتولى رعايتهم.

لقد كان استشهاد الشيخ راغب حرب دافعاً قوياً لذلك العمل فإن هذا الاستشهاد كان دليلاً واضحاً على أن علماء الإسلام المخلصين يشكلون الخطر الكبير على وجود المغتصب الإسرائيلي في المن‏طقة... فقتلت بعضهم وسجنت آخرين وأبعدت غيرهم إلى المناطق المحررة فكان لا بد من مواجهة المخ‏طط الإسرائيلي بشتى الأوجه... وإذا لم يكن ممكناً، وصول علماء الدين المجاهدين إلى داخل المن‏طقة المحتلة ومواجهة العدو في الداخل فإن تحصين الأمة من مؤامرات العدو هو أمر في غاية الأهمية وهذا أمر م‏طلوب في داخل المنطقة المحتلة وخارجها.

لقد قامت إسرائيل بإبعاد مجموعة من العلماء المجاهدين بعد استشهاد الشيخ راغب.. لأنهم شكلوا خطراً كبيراً عليها.. واستقبلهم البقاع استقبالاً حاشداً ومشهوراً من خلال الدعوة التي أطلقها السيد عباس ومن معه من العلماء المجاهدين.. ثم التباحث بالوضع حيث كان لا بد من مواجهة هذا الواقع بالعمل المتواصل الذي يمثل العلماء فيه الركيزة الأساس.

إن الدور الذي يقوم به علماء الدين هو دور ريادي في وس‏ط الأمة ولقد أدرك العدو هذه المسألة إدراكاً جيداً فقام بما قام به.. وينبغي في هذه المرحلة أن يكون على هذا العدو بزيادة هذه الجمع العلمائي المبارك وقد سجلت في تلك المرحلة مجموعة من الملاحظات التي تصب في الخانة التي نتحدث عنها.

فلقد عهد السيد الشهيد لطلاب العلوم بأكملهم أن يقوموا من خلال ما يقدرون عليه بتوعية الناس وإرشادهم... وقد سجل هنا صيرورة هذه الحوزة أكثر فأكثر مرجعاً للناس في مختلف قضاياهم.

فيما مضى كانت الحوزة من خلال مديرها ومؤسسها هي المرجع لقضايا الأمة.. أما الآن فإن هؤلاء الطلاب الذين رباهم واعتنى بهم صاروا هم بدورهم كذلك... فصار الناس يقصدون هذا المركز العلمي الكبير لمراجعة بعض الطلاب الذين كانوا يقومون بالتدريس والتبليغ في المن‏طقة.

وإذا كان الطلاب فيما مضى أيضاً يقومون بدور التبليغ في المنطقة بشكل عام... فإنه يسجل بعد استشهاد الشيخ راغب وإبعاد وتهجير وسجن علماء آخرين أن أبواباً جديدة من أبواب العمل التبليغي في المنطقة قد فتحت أمام طلاب السيد عباس في ذلك الوقت.

ومن الجدير ذكره في هذا المجال أن أعداداً غفيرة من أبناء المنطقة بدأوا بالدرس في الحوزة العلمية حتى أن كثيرين ممن لم يستطيعوا أن يتفرغوا بشكل كامل لهذا النوع من الدراسة.. انتسبوا إلى الحوزة كمستمعين.. فكانوا يحضرون الدروس التي يريدون لتحصيل بعض المواد العلمية ومن ثم القيام بدورهم في الدعوة إلى الإسلام... ومواجهة العدو، من خلال ما حصلوا عليه من الحالة العلمية والجهادية في آن.

ويسجل في تلك المرحلة البداية الفعلية للتجمعات العلمائية والتي كان هذا السيد الجليل ركناً من أركانها الكبرى.

إن الحركة العلمائية فيما مضى كانت تعتمد على فرد أو على أفراد ولم يكن هناك ما يجمع أفراد هذا الصنف المجاهد من الناس ولكن بعد انتصار الثورة الإسلامية المباركة ودعوة الإمام الخميني رضوان الله عليه العلماء ليكونوا حماة للمستضعفين وموجهين لهم ضد المستكبرين وينبغي أن تكون صفوفهم موحّدة من أجل ذلك كانت الانطلاقة من نفس أرض الثورة الإسلامية لتأخذ فيما بعد مداها إلى مختلف أنحاء الأمة الإسلامية.

ولقد أخذ لبنان حصة كبيرة من بركات الثورة الإسلامية وفي كل مجال من المجالات بدءاً بالروحية الجهادية التي من خلالها نشأت المقاومة الإسلامية ضد العدو الإسرائيلي... إلى العمل التبليغي الذي استمد العزيمة من الخ‏طوات الواثقة لقائد الأمة الإسلامية.. إلى العمل المنظم من أجل الوصول إلى الأهداف وقد كان للعلماء وجودهم في مختلف هذه المجالات.

كان السيد الشهيد فعلاً هو أحد المؤسسين للتجمعات العلمائية قبل سنة ..1982ثم كان أحد الأركان الأساسية في عمل هذه التجمعات، وأحد أبرز المحركين لها لتقوم بدورها الفعال في أداء التكليف ولحمل المسؤولية.

ولقد قامت هذه التجمعات العلمائية في مختلف المناطق اللبنانية بدور مميز على صعيد التبليغ وتهيئة المجتمع ليكون مجتمعاً مقاوماً، وفي سبيل تحقيق الوحدة الإسلامية التي ينبغي أن تحكم كل طرف من الأطراف.

وإن كل الأخوة من العلماء المجاهدين الذين عملوا في هذه التجمعات يذكرون كيف كان لسيد شهداء المقاومة الإسلامية من موقعية متميزة في داخل هذه الهيئات.. وكيف كان يسعى لتصل إلى أهدافها.. ويذكرون ما كيف كان يقصد أقطابها إلى مختلف أماكن تواجدهم بحثاً عن حلول لمشاكل تعترض الطريق... وكان يجد السبيل إلى حل مختلف هذه المشاكل من خلال المثابرة والثبات...

لم يغب السيد عباس الموسوي عن أي هيئة قيادية لحزب الله منذ تأسيسه، بل كان على الدوام أحد أعضاء الشورى الأساسيين. يشارك بفعالية في صنع القرارات وفي تنفيذها. وبالإضافة إلى ذلك عهد إليه بملف الثقافة والإعلام... وبقي فترة طويلة أيضاً معنياً بملف العلماء، ولا سيما في المرحلة التي نتحدث عنها، وقد أثمرت جهوده التي بذلها في مختلف الميادين مجموعة من الأنشطة المتميزة بعضها يمكن تدوينه وتأريخه كما هو الحال في إصداره لجريدة العهد حيث كان هو المنفذ لتهيئة وإعداد انطلاقتها الأولى، إلى مطبوعات أخرى يحتاجها أعداد الفرد المجاهد وبعضها محفور في قلوب الأخوة العاملين كما هو الحال فيما يتعلق بالعلماء الذين بقوا موضع اهتمامه الدائم إلى يوم استشهاده، وما من واحد من هؤلاء العلماء إلا ويحتفظ في ذاكرته وقلبه بمجموعة من الخواطر التي تحكي تلك الأيام التي عاشها مع ذلك السيد المجاهد، وإذا أخذنا بعين الاعتبار مجموعة الملاحظات التالية:

1- صعوبة الاتصالات في تلك المرحلة.

2- الوضع الأمني غير المستقر.

3- قلة الامكانيات الموجودة في اليد.

4- الحملات الإعلامية المضادة..

إلى مجموعة من الملاحظات الأخرى.. لأدركنا معها حجم المهام التي كانت تطلبها تلك المرحلة من جهة.. وحجم الصعوبات البالغة التي تقف في ال‏طريق من جهة أخرى.

ولكن المسألة بنظره لم تكن تحتاج إلا لإخلاص النية لله تعالى فمن خلاله ترتسم معالم الطريق من ناحية ويسهل الوصول إلى الهدف من ناحية ثانية، ولعل هذا هو السر الذي جعله إنساناً متميزاً في ممارسة الدور الجهادي... وفي تربية الأمة.. وفي التأثير في مختلف الميادين التي عمل فيها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:04

المناعة والقوة
لقد تحققت بفضل هذه الروح العالية جملة من الأهداف التي رسمت والتي كان الوصول إليها يعتبر حلماً بنظر الكثيرين.. وليس هناك شي‏ء أكثر دلالة على ما نقول من وصول المقاومة إلى مرحلة من المناعة والقوة تمكنت معها من إجبار العدو على تبديل حساباته.

فهناك القدرة الميدانية التي أخذت تنمو يوماً بعد يوم.

وهناك الحالة الشعبية التي أحدثتها المقاومة من خلال إيلامها العدو في أكثر من موقع... وهذه الحالة انعكست مواجهات وانتفاضات في وجه المحتل جعلته يشعر أنه يعيش على أرض متزلزلة، كل ذلك أوصل العدو إلى مرحلة أيقن معها أن البقاء في هذه الأرض لن يجلب له إلا مزيداً من الخسائر فكان لا بد من إعادة النظر في البقاء.

وهنا لا بد من تكرار القول بأن هذا العدو لم يكن قد وضع فكرة الانسحاب في باله في بداية الاحتلال خلافاً لمن كان يعتقد بأن هذا العدو يريد حرباً قصيرة الأمد يتخلص خلالها من أعدائه الفلسطينيين ثم ينسحب من لبنان، بل كان العدو يستهدف إبقاء قواته في لبنان.. وإلحاق هذه المنطقة الجديدة بما احتلته إسرائيل في حروبها الماضية نعم لقد فكر اليهود كثيراً قبل أخذ القرار بالانسحاب، ولعل هذا التفكير ولد منذ العملية الاستشهادية الأولى في تاريخ هذه الأمة سنة 1982على يد أمير الاستشهاديين أحمد قصير، إلا أنهم بمقاييس معينة أجلوا هذه الفكرة ظناً منهم أن مثل هذه العمليات هي عمل شاذ عن هذه الأمة، و"طفرة" في حياتها لا تلبث أن تزول ولكن الأيام والأشهر لم تحمل في طياتها إلا مزيداً من الموت والدمار لذلك العدو فكان لا بد من إعادة طرح هذه المسألة وبقدر أعلى من الجدية.

وتم أخذ القرار بالإنسحاب من لبنان، ومجدداً رأت هذه الأمة بأم العين كيف يمكن للمجاهدين أن يسجلوا الانتصارات على العدو المتغطرس الذي لم يكن يشعر بالهزيمة من قبل، ولكنه في هذه الأيام بدأ يذوق طعم الهزيمة المرة لم يكن الذي انتصر لينتصر من خلال نوع سلاح أو نوع تدريب أو نوع تخطيط قتالي، وإن كان ذلك لا بد من إعداده، ولكن ما يحتاجه المجاهد كان روحاً تسمو به وتستسهل الصعب في ال‏طريق، وهذا ما كان يستمده هؤلاء المجاهدون من ذلك السيد الذي لا تزعزعه الرياح والعواصف، ولعل حديثه عن انسحاب إسرائيلي كان مثار تعجب عند البعض، وبل مثار سخرية عند آخرين.. ولكنها الحقيقة التي أدركوها عياناً فيما بعد، وهو لم يكن يتنبأ على طريقة المنجمين... وإنما كان يتكلم انطلاقاً من واقع لامسه بعد أن زاغ الآخرون ونظروا إلى ظاهر الأمور..

ولطالما تحدث ليس عن انسحاب إسرائيلي من جنوب لبنان فحسب وإنما تحدث عن الإزالة الكاملة لهذا الجسم الخبيث من جسد الأمة الإسلامية.

لقد كان ينطلق في فكرته من من‏طلق أن الإنسان بإيمانه وإخلاصه هو رائد التحرير وصانع الانتصار، وليست الظروف هي التي تفعل ذلك.. إنها قد تساهم إلى حد معين في إعانة الإنسان على الوصول إلى هدفه، ولكنها لا يمكن أن تسهل وصول من لم يكن يريد الوصول ولم يسع إليه. وفعلاً بدأت القوات الإسرائيلية في بداية 1985بالانسحاب على مراحل حتى وصلت في انسحابها أخيراً إلى المنطقة التي كانت تحتلها ميليشيا العميل سعد حداد أولاً ثم انطوان لحد فيما بعد والمعروفة في إعلامهم بالحزام الأمني لقد شكل هذا الانسحاب انتصاراً كبيراً، للمقاومة... وإذا كان اليهود قد قاموا به "وفوتوا" الفرصة على المجاهدين وأبعدوا جنودهم أكثر عن أن تطالهم أيديهم، فإن هذا لا يسلب الانتصار واقعه أبداً فإن ما تحقق على المستوى المعنوي كان كبيراً سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي.

إن إحدى النقاط الأساسية التي كان السيد الشهيد يتكلم حولها: أن على هذه المقاومة أن تحمل مسؤولية كبيرة وهي استنهاض العالم الإسلامي بأسره زيادة على إلحاقها الخسائر الفعلية بالمحتل الإسرائيلي... وهذا الاستنهاض ليس عملاً عابراً يمكن أن يقوم به كل أحد.. إنه يحتاج إلى بذل الجهود الكبيرة ليتحول العامل إلى مثال يحتذى وبالتالي فهو يحتاج إلى فترة زمنية ليست بالقصيرة ليصل ذلك المثال إلى مداه.

لقد تمكنت المقاومة الإسلامية ذلك المثال، واستطاعت من خلال شهدائها الأبرار أن تعطي زخماً للأمة ومجاهديها، ولكنها تحتاج إلى انتصار لتصبح مثالاً فعلياً لمن هم ليسوا داخل حلبة الصراع ولا يعيشون ما يعيشه المجاهدون الفعليون من مشاعر.. وحين خرجت القوات الإسرائيلية من الجزء الكبير من الوطن المحتل مرغمة على ذلك، كان هذا الخروج هو المكمل لذلك الأمر..

هذا الفهم للإنسحاب الإسرائيلي في ذلك الوقت كان يبدو غريباً عند الكثيرين والذين أذعن بعضهم واقتنعوا بأن إسرائيل انسحبت من دون أن يكون الانسحاب داخلاً في خ‏طتها الأساسية ولكنهم أرادوا أن يحللوا مع ذلك تفاصيل الانسحاب وأن إسرائيل لجأت إليه بقصد أو بمجموعة من القصود، وكأنها تملك الخيار في أن تفعل أو لا تفعل.

وعلى أي حال فإن هذا الانسحاب الإسرائيلي ليس نهاية المطاف عند هذا السيد وعند المجاهدين الأبرار، فإن من وضع أمامه الأهداف الكبيرة فلن يقف محتفلاً في مثل هذه المواقف ومكتفياً بالاحتفال بنشوة الانتصار ولربما لم يبق واحد إلا واحتفل بهذه المناسبة. وهذا أمر عادي فإن للنصر آباءً كثيرين كما يقول المثل، حتى أن بعض الزعامات السياسة التي جاءت من خلال الدبابات الإسرائيلية ذهب إلى صيدا في ذلك الوقت على أساس أنه ممن سعى في طرد المحتل من هذا الوطن.

ليست العبرة فيمن يدعي في وقت الراحة وملائمة الظروف للواقع.. وإنما العبرة فيمن يثبت ولا سيما عند الظروف الصعبة... وهنا لا بد من استحضار روحية السيد الشهيد لتكون سبيلاً إلى فهم تلك المرحلة ومعيناً على فهم ما ينبغي فعله للمستقبل.

ليس هناك اعتراض على من فرح أو احتفل بالانسحاب الاسرائيلي فإن هذا الأمر بديهي، حتى نحن من رفع أمامه أهدافاً أكبر بكثير مما حصل، فإن جزءاً من الأهداف قد تحقق، ولكن الاعتراض على أن يُصور هذا الانسحاب على أنه نهاية المعركة مع العدو الإسرائيلي.. لربما قال البعض يومها بأننا حررنا أرضنا، وعلى بقية العرب المسلمين أن يوجهوا جيوشهم وشعوبهم للمساهمة في تحرير فلس‏طين ذلك الوطن المغتصب، ولكن نسي هؤلاء أن جزءاً عزيزاً من لبنان لا يزال محتلاً، وأن على عاتق الشرفاء أن يحرروه.

وإذا كان يحق للجميع أن يفرحوا فليس هناك أولى بالفرح من الذين صنعوا هذه الفرصة لأبناء الوطن بأكمله.

ولكن هؤلاء في فرحتهم يفكرون بما سيأتي وما يمكن أن يعصف بهذا البلد من أحداث، ولذلك فهم لم يعتبروا أنه يحق لهم حتى الاستراحة، فإن هذا العدو لا يعرف الاستراحة أمام صنع المؤامرات ضد أبناء هذه الأمة، وإذا كنا نقول أن المقاومة قد وجهت ضربات إلى العدو فإن هذا لا يعني بحال بأن هذا العدو غدا بلا حيلة فإن الموضوعية ينبغي أن تكون متوخاة لدى من يريد أن يؤرخ لأي مرحلة من المراحل.

إن ما تميز به خطاب السيد عباس الموسوي في تلك المرحلة هو أنه أعطى للمقاومة ما تستحقه من الثناء ولكنه لم يغفل عن قدرة ذلك العدو في إرباك الساحة الداخلية عند غفلة أبناء هذه الساحة.. ولقد كان يكرر هذه المسألة إلى نهاية حياته حين خطب في جبشيت آخر خطبة له، وهو في ذلك يريد من الجميع أن يكونوا على حذر، لا يريد لهم أن ينهاروا من الخوف ولا يريد لهم أن يأمنوا جانب العدو.

أما عدم الانهيار فلأننا رأينا بأم العين كيف أصيب هذا العدو في قدرته العسكرية، وفي مخططاته التوسّعية.

وأما عدم الأمن من جانب العدو، فلأنه لا يزال فعلاً موجوداً وجاثماً على أرضنا وهو حتماً يريد المحافظة على ما في يده من الأرض ومن المقدرات ومن السلطة الآن، ولن يقف مكتوفاً إن شعر بالأمان ب يعاود الكرة للتوسع مجدداً في المستقبل. وعلى هذا الأساس لا نكون قد وصلنا إلى النهاية، بل إننا لا نزال في الطريق، صحيح أننا لسنا في البداية، فلقد تمت مجموعة من الخطوات على الطريق، ولكن ما بقي لا يزال فيه الكثير الكثير من المشقات التي يحتاج معها المرء إلى العزيمة ولقد كان السيد الشهيد أكثر القياديين تماساً مع المجاهدين من أبناء تلك المنطقة المجاهدة جبل عامل، فكان تواقاً إلى العمل في داخل هذه المنطقة فيما يأتي بعد أن عمل مع أبنائها من خارجها فيما مضى وكان هذا تاريخاً جديداً له وللمنطقة في آن معاً.

ترك الحوزة العلمية
في خضم هذه الأحداث المتسارعة التي حصلت سنة 1985كان السيد لا يزال مع كل انشغالاته يحمل هم الحوزة العلمية في بعلبك والتي رعاها حق الرعاية يوماً فيوماً، ولم يكن أحد يتصور أنه سوف يأتي اليوم الذي يمكن له أن يتخلَّى فيه عن هذا الصرح العلمي بشكل نهائي ولكن ما جرى لم يترك له المجال للتفكير، وهو الذي تذوق طعم العمل الجهادي وأصبح على تواصل مع كل خصوصيات المجاهدين ولم يكن بالإمكان بعد أن يجمع بين هذا وذاك فكان لا بد من اتخاذ ذلك القرار الصعب، وتحمل المرارة بكل معانيها في سبيل مرضاة الله تعالى... فكان لا بد من إخبار الخاصة من أخوانه بهذا الأمر ومن ثم إبلاغ طلاب الحوزة الذين تلقوا هذا الخبر بصدمة لا توصف، وهم قد عاشوا معه حلاوة ومرارة أيام وأيام من المعاناة والتحصيل، صحيح أنه في الفترة الأخيرة كان كثير التغيب عن الحوزة، ولكن بنظرهم كانت بركته حاضرة على أي حال، أما وقد قرر الرحيل عن هذه الحوزة بالكامل فإن هذا يمثل خسارة لا يمكن تعويضها بحال، ولا نستطيع من خلال هذه السطور أن نصور ما عاشه الطلاب آنذاك من مشاعر وأحاسيس، وما عاشه ذلك الأستاذ أيضاً وهو الذي عبر عن الحوزة بأنها تمثل كل العمر بالنسبة إليه، ولقد بقي يتردد إلى ذلك المكان حين تسنح له الفرصة ويجتمع مع الطلاب حين الاستطاعة ويتحسر على تلك الأيام على رغم أنه انتقل من موقع جهادي إلى موقع جهادي آخر.

وبقي على تواصل مع أساتذة الحوزة، وظل في موقع المشرف على شؤونها وإن لم يتسن له في الفترات الأخيرة أن يتواصل معها كما كان يفعل من قبل.

ولئن كان الوضع قد أجبره على الابتعاد عن بعلبك منذ تلك المرحلة فإن الزيارات التي كان يقوم بها بعض الطلاب إليه في مكان عمله الجهادي، وطريقة استقباله لهم، والحنان الأبوي الذي كانوا يلقونه منه ومدى الاهتمام بكل المسائل التي يطرحونها معه، أو مبادرتهم بالسؤال عن أحوالهم وأوضاعهم... كل ذلك يسلط الضوء على المكانة العالية التي كانت تمثلها الحوزة العلمية بالنسبة إليه، كيف لا وهو الذي بدأ معها مشواره الجهادي الطويل، وهي بدأت معه مسيرتها العلمية والتربوية.. وعلى أي حال فإن هذه الحوزة العلمية سوف تبقى تحمل شرفاً عظيماً وهو أن الذي أسسها وشكل نواتها هو السيد عباس الموسوي قدس سره ومهما تقلبت الظروف يبقى للمؤسس مكانته وحضوره سواء عند الطلاب الذين تحتضنهم الحوزة فعلاً أو عند جماهير الناس الذين تعرفوا عليه من خلال الحوزة العلمية أو تعرفوا على الحوزة من خلاله.

وإذا كنا نؤرخ لهذا الحدث رغم أن البعض ممن لم يعاين تلك المرحلة قد يستغرب أهمية ذلك.. فلأننا ندرك في الواقع أن مجموعة من الأهداف قد حققها السيد الشهيد في أوساط الأمة كان ينطلق إليها من خلال هذا الصرح العلمي الكبير... وهو الذي عبر أكثر من مرة عن هذه الحالة أنا لا أبادل الحوزة في بعلبك بكل العمل الإسلامي في لبنان، ولم يكن ذلك تعصباً منه لمؤسسة كان هو الذي بناها.. وإنما لأنه يدرك أن هناك ألطافاً إلهية جعلت من هذه المؤسسة الرائدة صاحبة التأثير الكبير في مجريات الأحداث وعلى مدى سنوات طويلة، ولا بد لأجل تفهّم ذلك من استحضار التاريخ الذي نشأت فيه، وكيف اجتمع طلابها من أكثر من مكان، وكيف انطلق العمل من خلالها ليشمل بقية المناطق... وكيف صارت مهداً لانطلاقة العمل الجهادي ضد العدو الإسرائيلي.. وكيف صار بعض طلابها الفعليين من شهداء المقاومة الإسلامية. إلى ما هنالك من حيثيات ينبغي أن تبقى حاضرة في ذاكرة الجميع ومن خلالها ندرك مغزى كلمته التي ذكرناها قبل قليل... وندرك حجم التضحية التي قدمها هذا المجاهد عندما تخلى عن هذه المؤسسة ليكمل غيره ما بدأه هو منذ زمن ولينتقل هو إلى تلك الربوع جبل عامل صور التي درس فيها فترة قبل ذهابه إلى النجف الأشرف.. ثم عاد يستطلع أحوالها مرة بعد مرة.. إلى أن حال الاجتياح الاسرائيلي بينه وبينها فأخذ يرعى المجاهدين الذين يسعون لتحريرها... حتى حصل لهم ذلك بعد سنوات من الجهد والرعاية والإخلاص.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:06

في جبل عامل
أما وقد تحرر هذا الجزء من الوطن فإن أمام السيد مهمات كبيرة ينبغي أن يحملها.

فهناك جزء من الوطن لا يزال محتلاً وينبغي العمل على إرجاعه، ولئن لم يكن مقدراً في الحاضر أن يحصل ذلك فإن المستقبل أمامنا.

وهناك الأمة الإسلامية التي ينبغي أن تحمل هم المشاركة في المعركة ضد الاستكبار العالمي ككل وضد جرثومة الفساد في المنطقة.. وإذا كان قد تهيأ شي‏ء من الدعم المعنوي من شعوب العالم الإسلامي فإن ذلك حصل من خلال عملية الاستنهاض التي قام بها المجاهدون طيلة هذه الفترة ولا زالت المهمة في بداياتها.

وهناك تحصين الساحة الداخلية من الأخطار المحدقة والمتعددة المصادر ويجب الاستنفار الكامل لمواجهتها.

كان لا بد من القيام بمجموعة من الجهود من أجل حمل الأعباء بأكملها، ولكي يتمكن من ذلك ينبغي رسم الخطة الدقيقة التي ترتكز أولاً على وجود التنظيم الفاعل.

ولم يكن وجود التنظيم شيئاً جديداً على هذه الساحة إلا أن هناك بعض الظروف جعلت هذه المسألة تأخذ مجالاً أوسع للتفكير..

لقد نشأ حزب الله في الجنوب منذ البداية ولكن هذه النشأة تختلف عن نشأته في بقية المناطق اللبنانية، وسبب الاختلاف يرجع إلى وجود عامل الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة.. ومعلوم أن وجود الاحتلال يشكل حائلاً كبيراً دون التشكيل والتنظيم من جهة ودون الاستقطاب من جهة أخرى... وكان قد تم تكليف أحد الأخوة المجاهدين بمسؤولية منطقة الجنوب في فترة الاحتلال إلا أنه اعتقل من قبل القوات الإسرائيلية، مما أحدث شيئاً من الإرباك، عالجه الأخوة بتكليف من يتابع هذه المهمة حتى نهاية الاحتلال الإسرائيلي.

وعندما بدأت هذه المرحلة الجديدة.. كان لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التنظيم سوف يخرج إلى العلن، وهذه المسألة لها ثمنها... فهناك حالة من الانغلاق كان الأخوة يمارسونها بحكم وجود الاحتلال والمطلوب الآن أن ينفتح هؤلاء الأخوة على مختلف الشرائح...

وهناك منطقة خارجة لتوها من الاحتلال... ولم تكن تعيش نزهة في تلك المرحلة بل مرت بأهوال وأخطار، ولا زالت آثار أيام القبضة الحديدية ماثلة في الأذهان...

وهناك عملية التشكيل التي لا بد منها وهي تحتاج إلى تفكير طويل للوصول إلى الحالة الأفضل وتحتاج مجموعة من الأخوة المجاهدين غير أن هؤلاء يميلون إلى العمل الجهادي المسلح ضد العدو ويفضلونه على تحمل أعباء العمل التنظيمي كل هذه المسائل كانت واضحة أمام السيد الشهيد عندما قرر خوض غمار العمل على هذه الساحة.. ولم تشكل عنده أي عقدة على الإطلاق في طريق اكمال ما قرر البدء به.

ولقد بدأ فعلاً بتشكيل اللجان التي تدير العمل في المنطقة وخرجت إلى العلن أول تشكيلة لحزب الله في أواخر سنة ..1985وبدأت مهمتها الصعبة.

لقد وضع السيد أمامه في تلك المرحلة مجموعة الأهداف التي مرت.. ولكي يصل إليها فلا بد من انتهاج مجموعة من السياسات التي ينبغي أن تحكم الحركة الجهادية.

1- اعتماد الحد الأدنى من العقد التنظيمية فإن التنظيم الذي نريد ينبغي أن يكون قادراً على استيعاب كل الطاقات والشرائح... وعلى هذا فلا ينبغي أن تكون العقدة التنظيمية حائلاً دون استقطاب ذلك الجمع من شرائح المجتمع.

2- الانفتاح الكامل على الجميع ومن دون استثناء، فليس هناك أحد في دائرة العداء سوى العدو وعملائه وما تبقى منهم أشخاص ينبغي أن يكون لهم دور في مواجهة المحتل، وهذه تمثل نقطة متقدمة في الانفتاح... حيث لم يكتف بأن هؤلاء ليسوا أعداء بل إن هؤلاء هم حلفاء علينا السعي نحوهم لجعلهم في الموقع الذي يجب أن يكونوا فيه.

3- إفساح المجال للأخوة الموكلين بالعمل ليعملوا، وعليه تقع مسؤولية التوجيه والإرشاد.. وليس مصادرة أعمالهم.. وهنا يكمن عامل أساسي من عوامل النجاح، يدركه كل الأخوة العاملين، وهو يرتكز على أساس أن المقاومة العسكرية والعمل التنظيمي لكي يصل إلى النجاح فلا بد من إحياء روح المبادرة لدى العاملين، وإلا فإن أي عمل مهدد بالفشل إن بقي المسؤول الأول هو الذي يمارس العمل من دون دخالة أي مستوى من المستويات التنظيمية.

4- الرعاية الدائمة لمختلف المستويات التنظيمية ومفاصل الحركة الجهادية فهؤلاء هم العاملون في سبيل تحرير الأرض وتحصين الداخل، لذلك ينبغي قدر الاستطاعة التخفيف من آلامهم، ويجب سماع شكاواهم إن كان ثمة ما يشكون منه ليكملوا طريقهم إلى الأمام بأقدام ثابتة.

أم ياسر شريكة الجهاد
في تلك البدايات اص‏طحب السيد الشهيد معه زوجته أم ياسر لتكون شريكة معه في عمله الجهادي، وقد استفادت من العطلة الصيفية للأولاد لتكون على مقربة من زوجها الشهيد وتحاول قدر الاستطاعة أن تعينه على تحمل الأعباء...

بدأت هذه الرحلة في بلدة طيردبا حيث استقر السيد الشهيد وزوجته في منزل أحد الأخوة العاملين... لعدة أشهر، تمكن من خلالها من وضع المرتكزات الأساسية للعمل.. بدءاً من هذه القرية التي عاش شبابها وشيبتها أجمل اللحظات معه، وعاش نسوتها وبناتها نفس تلك المشاعر مع زوجته المجاهدة.

إلا أن الوصول إلى الأهداف لم يكن شيئاً ميسراً فأمامه عقبات وعقبات بعضها موجود بالأصل.. وبعضها يأتي بالعارض كما حصل فعلاً في تلك المرحلة عبر الحرب التي سميت آنذاك حرب المخيمات.. والتي كادت تأخذ في طريقها كل الانجازات التي تحققت لولا العناية الإلهية، ولقد بذل السيد الشهيد رضوان الله عليه جهوداً مضنية في سبيل التخفيف من حدة هذه الحرب إن لم يتمكن مع المخلصين في إخمادها بشكل نهائي ولم تقف هذه الحرب إلا بعد فترة طويلة وبعد أن التهمت الكثير من النجاحات التي تحققت من قبل، ويعلم الله وحده أي هم عاش في قلب السيد الشهيد من جراء ذلك.. وأي ظلم لحق به لأنه كان يدعو بصدق إلى توجيه البندقية نحو العدو الأول والأخير.

مرت عدة أشهر على السيد الشهيد وهو في طيردبا إلى أن انتهت العطلة الصيفية واضطرت زوجته للعودة إلى بعلبك حيث بدأ التحضير للسنة الدراسية الجديدة للأولاد.. وبقي السيد في الجنوب بعيداً عن عائلته.. ولكنه هذه المرة انتقل إلى صور، وإلى حي الرمل بالتحديد ليمكث هناك في منزل على مقربة من البحر.. جعل منه مقراً ومنطلقاً لعمله المتواصل.
الهمّ الأكبر
في المرحلة التي بدأ السيد عباس الموسوي قدس سره فيها عمله في جبل عامل بعد الانسحاب الاسرائيلي كان الهم الأكبر الذي شغل باله كما ذكرنا هو هم المقاومة، وقد أصبح على علاقة مباشرة مع أدق التفاصيل في هذا العالم الذي من خلاله عبرتْ الأمة الإسلامية إلى ما هي عليه الآن، لقد تحولت المقاومة إلى محور اهتمام هذه الأمة، ولكن هذا لم يأت جزافاً أو بلا ثمن وإنما هو نتيجة كد وتعب أبناء الأمة الغيارى على أهلهم وعلى أمتهم، وعلى رأسهم هذا السيد المجاهد... كان موضوع المقاومة يحتاج إلى مجموعة من الأعمال الشاقة إضافة إلى كون نفس المقاومة عملاً شاقاً في حد ذاته بل في غاية المشقة، وهذا أمر معلوم، ولكن هناك بعض المقدمات التي لا بد من توفيرها تحتاج إلى التوضيح، فهناك الروح المعنوية التي ي‏طلب توفيرها في الأخوة المجاهدين حتى يندفع هؤلاء إلى الأمام في عملهم القتالي ضد العدو على قاعدة الآية الكريمة:

(
يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال...).

فنفس القتال معلوم لدى أبناء الأمة من حيث موقعيته ومطلوبيته وأثره.. ومجريات الأمور فيه واضحة وقد أشار القرآن الكريم إليها في أكثر من موضع وجلاها النبي الأكرم (ص) ولكن هذا الشي‏ء والتحريض على القتال شي‏ء آخر.. أن تقول إن العمل الفلاني.. عليه الأجر الفلاني.. يختلف عن قولك: إسعَ نحو العمل الفلاني.

وعندما نأتي إلى موضوع المقاومة لا نجد أن المانع من قتال العدو لدى الكثيرين هو مانع فكري.. وليس هناك مانع سياسي في كثير من الأحيان، وإنما يحصل التباطؤ أو الهرب من مواجهة العدو بسبب الانجرار إلى الدنيا وعدم الثبات أمام المغريات، ولا سيما أن القتال يحمل ما يحمله من البعد عن الدنيا والوقوف أمامها وقفة صلبة وحازمة لأن حب الدنيا يعمي كما ورد عن أهل البيت (ع) والإشارة القرآنية الكريمة واضحة وبينة في هذا المجال حيث يقول الله تعالى:

(
كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهم شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون).

وهذا كله لا يمكن دفعه من خلال الحوار الفكري وحده، أو ندوة خطابية وحدها وإنما زيادة على ذلك لا بد من الدفع المعنوي الكبير الذي يعتمد على مجموعة من المحفزات، والإسلام غني بهذه المحفزات.

ثم إن عزيمة المجاهدين قد تخف لمجموعة من العوامل فلا بد عندئذٍ من وجود أولئك الذين يبعثون الأمل والعزيمة في آن معاً في قلوب المجاهدين والمؤمنين.

وكان السيد بالفعل هو ركن من تلك الأركان، حيث الأخوة يتأثرون بصاحب ذلك القلب الكبير الذي يبذل كل الإمكان في سبيل تحرير النفس من الشيطان ومن ثم تحرير الأرض من الاحتلال.

وكان أكثر تأثرهم به يكمن في أنه لم يكن يعظ الآخرين من برجه العاجي كما يقال وإنما عاش مع المجاهدين لحظة بلحظة.. لذلك كانت كلماته شديدة التأثير بهؤلاء... وكم مرة تعرضت حياته للخطر من جراء القذائف المنهمرة... كل ذلك كان يزيده صبراً واحتساباً، بل قوة وشجاعة، بل أنه كان يستأنس بالمثول بين الأخوة في هذه المواضع.

وكما أن واقع المقاومة يحتاج إلى هذه العناية فإن الوضع السياسي يومها لم يكن ملائماً بشكل تام للعمل المقاوم، حيث أن الهاء المقاومة والمقاومين عن توجههم الأول والأساس ضد العدو كان هو الفعل الذي تريده "إسرائيل" لأنه يحفظها ويحميها من المقاومين.

في هذه الأجواء كان العمل مضنياً فكيف يمكن أن تشد الأنظار على الدوام باتجاه ذلك العدو وكيف يمكن للخ‏طاب التبليغي التعبوي أن ينجح في أوساط الناس؟ إنها مسألة صعبة ولكنها ليست مستحيلة على الهمة العالية لسيد شهداء المقاومة الإسلامية الذي أثبت من خلال جهده المتواصل أن هناك أشخاصاً يمكن أن يحدثوا تحولاً في التاريخ من خلال مطالبتهم بالحق وسعيهم إليه.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:07

الروح الجهادية
صحيح أن السيد ليس لديه المعلومات العسكرية الكافية ولا المؤهلات البدنية المؤاتية التي تجعله قادراً على القيادة المباشرة للعمليات العسكرية والسير الميداني بالمجموعات العسكرية المقاتلة، ولكنه يمتلك روحاً جهادية عالية.. ويمتلك أفكاراً نيرة تؤهله ليقود قادة تلك المجموعات العسكرية.. وكم من المرات استطاع الأخوة أن يستفيدوا من أفكاره التي كانت ترتكز على مواجهة العدو الإسرائيلي بشتى السبل وبشكل مباشر... من دون نسيان توجيه ضربات خاطفة وسريعة لجماعة لحد من شأنها أن تحطّ معنوياتهم وتحد من شأنهم.. وهكذا كان.

عملية الأسيرين
لقد كانت باكورة العمل النوعي للمقاومة بعد تولي السيد عباس مهماته الجديدة.. التخطيط لعملية الأسيرين والتي حصلت في منتصف شهر شباط سنة 1986وأعقبها اجتياح إسرائيلي لجزء من الأرض المحررة قبل سنة وقد استمر هذا الاجتياح لمدة ستة أيام.

لقد شكلت هذه العملية النوعية الخارقة ضربة مذهلة للعدو أفقدته صوابه.. فأخذ يهدد ويتوعد بأن يلقن حزب الله درساً باهظاً لا ينساه بتعبير أحد قادة العدو آنذاك "إسحاق رابين".. إلا أن المجاهدين الذين كانوا للعدو بالمرصاد أفشلوا مخططاته، وأحبطوا ما كان يرمي له فلم يستطيع أن يفعل شيئاً أمام هذه العزيمة.

إستدعي أبناء المقاومة الإسلامية من مختلف المناطق اللبنانية لمواجهة هذا العدوان الجديد، وحيثما توجهوا.. وجدوا طيف السيد المجاهد حاضراً.. وذلك من خلال حضوره القوي في العملية من جهة.. ومن جهة أخرى في حضوره الفعال بين المجاهدين لرد الاجتياح الإسرائيلي المحتسب.. ولقد بقي مع المجاهدين في بلدة صريفا عندما وصلت قوات الاحتلال إلى مشارفها يشد من عزيمتهم وهم يرون فيه كل ملامح القيادة الصالحة التي كانت يقرأون عنها فيما مضى من الزمان، والآن هم يعيشون معها في الحقيقة والواقع.

وحيث كانت تسنح له الفرصة في تلك الأيام العصيبة التي أعقبت عملية الأسيرين كان يذهب من أجل الإشراف على عملية يريد الأخوة أن ينفذوها وكان حريصاً على حضوره بينهم أو من أجل استقبال مجموعة قتالية وصلت من مكان ما، أو من أجل المشاركة في سهرة شعبية في إحدى القرى لشد العزائم.. إلى أن انتهت تلك المرحلة بما ذكرنا من خيبة جديدة للعدو الذي عجز عن مواجهة المجاهدين ولم يست‏طع بكل ما يملك من سلاح وعتاد وأجهزة أن يفل من عزيمتهم.. وكان السيد الشهيد هو الذي أوعز إلى الأخوة في المناطق أن يرسلوا تعزيزات إلى المجاهدين في جبل عامل. وكان يقول في هذا الصدد.. ليس عندي شك بأن الأخوة في هذه المن‏طقة المجاهدة قادرون على صد أي عدوان مهما بلغ حجمه، ولكني أريد أن يعيش الآخوة الآخرون في بقية المناطق ما يعيشه هؤلاء المجاهدون من هم المقاومة من جهة.. وأن يعيشوا هذه الحالة الروحية والمعنوية التي أحدثتها عملية الاسيرين وفشل العدو بعدها من جهة أخرى... فهذه المسائل لا تنقل من خلال نشرة أخبار ولا من خلال محاضرة أو ندوة خطابية أو حتى في مهرجانات المقاومة لأنها ليست أفكاراً قابلة للنقل وإنما هي مشاعر وأحاسيس لا يمتلكها إلا من عاش مع المقاومة والمقاومين في أماكن تواجدهم، هذا بالإضافة إلى أن تنتقل هذه الحالة لتصبح هماً للأمة بأسرها.

واستناداً إلى التاريخ الذي جاء بعد هذه المرحلة فإننا ندرك أن ما وضعه السيد أمامه تم التوصل إليه جزئياً ثم على المدى الأطول تمَّ التوصل إليه بشكل شبه كامل.

وانسحبت القوات الإسرائيلية من المناطق التي احتلتها... وتمكنت المقاومة أن تضع على صدرها وساماً جديداً... وهو إثبات عجز العدو من تنفيذ تهديداته... وأصبح بيدها أسيران توفيا فيما بعد متأثرين بجراحهما كان لهما بعد وقت طويل أثر كبير في إحدى أكبر عمليات التبادل التي حصلت مع العدو.. والتي حررت عدداً كبيراً من المجاهدين كما وتمكنت من تحرير عدد كبير من أجساد الشهداء ومن بينهم قائد عملية الأسيرين الشهيد الحاج سمير مطوط (جواد).

حرص المقاوم
كان هذا العام عام 1986هو عام بداية العمليات النوعية لمجاهدي المقاومة الإسلامية على مواقع العدو بعد الانسحاب الإسرائيلي قبل سنة. فمن أولى عمليات الأسر التي ذكرناها، إلى أولى عمليات الاقتحام لمواقع العدو في الحادي والعشرين من شباط في موقع كفرحونة والتي كبدت العدو خسائر كبيرة في أفراده وعتاده. وسقط فيها قائد العملية الحاج رضا الشاعر شهيداً في سبيل الله.. إلى بقية العمليات التي جعلت المقاومة تمتلك ولو جزئياً زمام المبادرة.. هذا وسيدنا الشهيد هو الصوت المدوي الناطق باسم المقاومة ومجاهديها... وكأنه شعر بأن هذه المقاومة قد بدأت بالفعل بتحقيق أهدافها فكان حريصاً على أن تبقى تسير إلى الأمام.

لقد كان هنا في هذه الحالات شديد التأثر بالإمام السيد موسى الصدر وخصوصاً في خطابه الذي وجهه إلى المجاهدين وقتها:

"أنتم يا إخواني الثوار كموج البحر إذا وقفتم انتهيتم".

وكان يردد مثل هذه العبارات بشكل دائم حتى تصبح جزءاً من ذاكرة المجاهدين.. واست‏طاع من خلال إخلاصه أن يجعلها محفورة ليس في الذاكرة فحسب بل في أعماق القلوب ليبقى لها على الدوام موقعها المتميز في دفع عجلة المقاومة إلى الأمام.

وكان هذا الهم الذي حمله السيد الشهيد يحتم عليه القيام بمجموعة من التحركات اليومية لمتابعة الأوضاع العادية والطارئة للمقاومة... وهنا يسجل للسيد الشهيد من خلال كل من عايشه كيف كان يبدأ يومه الجهادي.. وكيف كان ينتهي.

كان يستيقظ باكراً لصلاة الصبح.. ثم يقرأ بعض الأدعيَّة والإذكار ثم يتناول إن تيسر بعض الطعام البسيط وبعدها ينطلق في عمله الذي لم يكن ينتهي إلا بعد منتصف الليل.

ويسجل مرافقوه ومن عاشوا معه تلك الفترة الجهادية الدقيقة أن ساعات نومه لم تكن تتعدى أربع ساعات في اليوم ليس أكثر.. لقد كان هذا الوضع يرهق المرافقين له على الرغم من أنهم قد ينامون في الوقت الذي يكون هو مستغرقاً فيه في عمله المتواصل، وكانوا يستغربون من أين جاءته تلك القوة والقدرة مع أنه لم يعرف طعم الراحة إلا في هذه السويعات.

وكثيراً ما كان يمضي نهاره من دون أن يتناول طعاماً أو أنه يتناول شيئاً منه وهو ينتقل بسيارته من مكان إلى آخر... وعلى أي حال فلم تكن قلة الطعام والشراب والنوم لتشكل عنده أزمة على الإطلاق مع أن وضعه الصحي لم يكن على ما يرام، فقد كان دائماً يشكو من آلام في معدته بالإضافة إلى حالة تعب وإرهاق يحاول أن يخفيها ولكن الذين هم من خاصته لا تخفى عليهم، ولقد نصح كثيراً بضرورة أن يخلد للراحة... فكان يبتسم ويقول إن شاء الله إذا سنحت الفرصة لذلك.

لقد كان يعلم أن هذه الفرصة لن تأتي وأن الراحة الحقيقية التي يبتغيها هي الراحة التي يريدها كل مؤمن والتي لا تكون إلا بلقاء الله عز وجل وأما هذه الحياة الدنيا فليست داراً للراحة.

وحقاً أن الروح إذا كانت متعلقة بالله تعالى فإن هذا البدن يستمد منها القوة... ولعل سيدنا الشهيد هو أحد أبرز الأمثلة على ذلك وإلا فكيف يستطيع أن يغفو لجزء يسير من الوقت ثم يستيقظ وقد استعاد جزءاً من عافيته فيمارس عمله الذي يحتاج إلى كثير من بذل الجهد والتركيز بل يحتاج كل جزء من هذا العمل إلى شخص متفرغ له ليدير شؤونه . ولم يكن شي‏ء من هذه الأعمال ليكتمل على حساب شي‏ء آخر.. على رغم تراكم الهموم على قلبه وعلى رغم كثرة المراجعات التي ترفع إليه على مختلف الأصعدة.

إنا لا نريد إعطاء صورة مبالغ فيها عن هذه الشخصية من هذا الجانب. بل إن هذا يمثّل الحقيقة التي لا يعلمها إنسان ويجهلها الآخرون بل لقد عاش هذه المسائل معه أفراد عائلته.. ومرافقوه، وطلابه ومن عمل معه في العمل الجهادي والتنظيمي.. على السواء. لقد عمل في ظروف مختلفة... فقد بدأ عمله في الحوزة... ثم في التبليغ ثم في تأسيس التجمعات العلمائية ثم في تأسيس حزب الله ثم في إدارة العمل التنظيمي والجهادي في جبل عامل.. وهو في كل هذه الحقول لم يتغير.. فليس هناك عمل عنده يحتاج إلى ما لا يحتاجه العمل الآخر.. بل القضية واحدة تتعدد صورها وتحتاج إلى إخلاص وتوجه، وتخطيط. ونزول إلى ساحة العمل وبذل الجهد ثم بعد ذلك لا يهمنا كيف تؤول الأمور طالما أننا قمنا بما ينبغي علينا القيام به.. وكان شعاره أن هذا الجسد إذا فني في سبيل الله فهذا مفخرة له لأنه سيفنى على كل حال.
محاور المقاومة
كانت محاور المقاومة الإسلامية في تلك المرحلة في بداية تركيزها وكانت تحتاج إلى عناية خاصة، فكان دائم التجوال بين تلك المحاور يستأنس به المجاهدون، ويأخذون من روحيته في نفس الوقت الذي يشعر فيه هو بغاية الأنس معهم.

لقد اعتاد الناس فيما مضى من الزمن على وجود شباب مجاهدين مضحّين يذهبون إلى حيث يمكن أن يواجهوا العدو مرة بعد مرة... ولكنهم لم يعتادوا على وجود أماكن ليرابط فيها المجاهدون.. فكان أن وجدت هذه الأماكن التي تحتضن أبناء المقاومة من كل مكان من الوطن.. وكان لها الفضل الكبير في رد الاعتداءات الإسرائيلية على بلادنا... وكم من المرات تمكنت هذه المجموعات المرابطة في أماكن الجهاد من إفشال محاولات تقدم أو تسلل للعدو إلى الأماكن المأهولة.. ويذكر أهلنا كم كانوا يعانون من هذا العدو الذي ما انفك يزرع الموت والدمار في قرانا الآمنة... وكيف استطاع المقاومون من خلال تواجدهم في المحاور أن يبعثوا الأمل والطمأنينة في نفوس المواطنين.. إن هذه المحاور التي كان للسيد الشهيد حضوره في تشكيلها وتأسيسها ومتابعتها والسهر عليها كانت تهدف إلى عدة غايات.

فهذه المحاور تشكل عند المجاهدين فعلاً دورات تدريبية متلاحقة يستمد منها المجاهدون كل معاني الصلابة والثبات.

وهي تمثل عندهم أشرف المراكز وهم فيها أقرب ما يكونون إلى الله تعالى لأنهم فيها دائماً يذكرون لقاء الله الذي ليس فيه شك.. ولكن مشاغل الحياة الدنيا تجعل الحجب بين الإنسان وبين الله.. وهنا تتبدد تلك الحجب ويعيش الإنسان الراحة بكل معانيها.

وهي تشكل خط المواجهة مع العدو الذي كان يأتي ليلحق الأذى بالأبرياء فصار المجاهدون عقبة أمامه دون هدفه. وهي فرصة للمجاهدين لينتقموا من أولئك الذين قتلوا الأنبياء في تاريخهم... وفي حاضرهم قتلوا كل معاني الإنسانية... وأذّلوا الكثير من الناس... فكانت الفرصة الحقيقية لمن أراد أن يساهم في صياغة الحاضر وصناعة المستقبل.

وهي تهيى‏ء الفرصة لأبناء الهدف الواحد ليتعارفوا فيما بينهم ويعيشوا الهموم المشتركة ليصبح الجميع كما يريد الله لهم أن يكونوا وكما وصفهم في كتابه العزيز:

(
إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص) ولطالما ذكر السيد الشهيد العلماء والمؤمنين بأهمية محاور المقاومة وحث الجميع على أن يكونوا من مرتاديها ليكتب لهم السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة.

لقد تمكنت المقاومة بمجاهديها في هذه المحاور أن تراقب حركة العدو عن كثب وأن تجعل أكثر نشاطاته مكشوفة أمام أب‏طالها وشكلت بالتالي حالة من الضياع له لن يتخلص منها.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:11

خبر المقاومة
هذا الهم الذي حمله السيد كان يحتاج معه إلى شي‏ء آخر.. فهذه المقاومة لا يجوز أن تكون مكشوفة... بلا غطاء شعبي.. لأنه عندئذ يسهل ضربها... ولذلك أخذ على عاتقه مسألة في غاية الأهمية وهي تأمين الغطاء الشعبي للمقاومة.. ليجعلها في حصن ومأمن.

ولكن كيف يمكن لذلك أن يحصل في ظل ظروف سياسية صعبة... وظروف أمنية أكثر صعوبة..

كان دائم التركيز على المؤامرات الإسرائيلية... ولذلك كان عندما يُبلَّغ عن إشكالات حصلت في بعض القرى مع بعض القوى المحلية.. كان يطلب من الأخوة أن يتجاوزوا الإشكال بسرعة ولا يمنعوا تطوره لأن أي تطور له هو ضد مصلحة هذه المقاومة.

ومع أنه يعلم بالمظلومية التي لحقت بالأخوة من جراء الكثير من هذه الإشكالات إلا أنه كان يطيب خاطرهم ويطلب منهم الصبر على هذا البلاء لأن المستفيد الأكبر من هذه المشاكل هو نفس العدو الإسرائيلي الذي نسعى لقتاله في الليل والنهار، وهو يتحين الفرص للإيقاع بأبناء هذه الأمة وزجّهم في حرب تلهيهم عن قتاله ليكون هو في مأمن من الأهوال التي عاشها في هذه السنوات التي مرت وكان منبراً متجوّلاً بكل معنى الكلمة، من احتفال إلى احتفال وبمناسبة وغير مناسبة. لأن الذي حمل قضية بحجم هذه القضية لا يحتاج إلى مناسبة رسمية ليقول كلمته بل أن نفس القضية هي بحد ذاتها مناسبة للكلام في مختلف الظروف.

كان هناك شهداء يسقطون في مواجهة العدو فكان هو الخطيب الأبرز الذي يتكلم في تشييع الشهداء وفي ذكرى هؤلاء الشهداء.

وكان حريصاً على أن لا تفوته مناسبة من المناسبات، فكان من خلال ذلك.. أن أدرك الناس ما في قلب هذا المجاهد من عزيمة وإيمان، وما في عقله من وعي وفهم..

وإذا لم يكن هناك مناسبة للكلام فإنه كان يدعو لإقامة لقاء في أي مكان يحضره مع مختلف الشرائح الاجتماعية التي تنتمي إلى مشارب فكرية وسياسية متنوعة.. كان يرغب في الحديث معهم أولاً لإسماعهم صوت الإسلام الحقيقي بهدوء وصدق واتزان وهم باست‏طاعتهم أن يقتنعوا بذلك أو لا. وثانياً ليضع الجميع أمام مسؤولياتهم في هذه المرحلة التي تمر بها الأمة.. ويبيّن لهم المخاطر التي يمكن أن تحصل إذا لم تكن على قدر المسؤولية..

ولقد آتى كل ذلك ثماره.. ولعلك لا تمر في قرية من قرى جبل عامل المحررة إلا وتجد فيها أثراً طيباً للسيد عباس الموسوي الذي وقف في هذه القرية خطيباً.. أو أقام في تلك القرية لقاءاً شعبياً مع تعدد الآراء والأفكار فيها.

ولكن الزمن عندما يمر على حادثة ما فإن كثيراً من الخصوصيات تذهب معه فأين التعب والعناء؟ وأين الصد والعناد؟.. وأين المخاطر والأهوال؟..

كل ذلك لم يبق له وجود لأننا نعيش في حاضرنا الأمن والاستقرار والأفكار الموحدة إجمالاً تجاه القضايا. ولكن يجب أن لا يذهب من الذاكرة أي وضع سياسي واجتماعي وأمني كان يمر به سيد شهداء المقاومة ليذهب إلى احتفال أو إلى لقاء شعبي.. وأي عقلية كان البعض يمتلكونها... عندما كانت تغلق أمامه بعض الأبواب حتى لا يتمكن من إيصال الحقيقة إلى الجميع.

لا شك بأن هناك عقلية وذهنية عند البعض حتى من المجاهدين لا تتحمل "الطرف الآخر" مهما كان الطرف الآخر.. وهذا ما كان السيد قدس سره يعانيه من بعضهم ويريد من خلال كلامه معهم أن يتخلوا عنه وأن يعيشوا عالمية الإسلام الذي يستوعب كل الناس ولقد أثمرت كلماته مع هؤلاء المجاهدين ولا تزال بصماته ظاهرة في أبناء المنطقة بشكل عام.

ولكن لا ننسى بأن هناك أبواباً قد سدت في وجهه ولو كان غيره مكانه لتراجع ولقال في نفسه طالما أنهم لا يريدون الكلام فلا داعي إليه إلا أن هذا العالم المجاهد كان يذهب في بعض الأحيان إلى حيث يعلم أنه غير مرغوب فيه..

وكم من المرات قال له الأخوة بأن فلاناً من الناس يكره المقاومة والمقاومين وأنه حاقد عليهم.. ويكره كل من يمت إليهم بصلة... وكانوا ي‏طلبون منه أن يتجنب أمثال ذلك الشخص.. ولكنه كان يفاجئهم بأنه يريد اللقاء بذلك الشخص ولو بالذهاب إلى بيته إذا كان هناك مجال لذلك.. ويذكر الأخوة أنفسهم أن كثيراً من مثل هذه اللقاءات والزيارات قد آتت ثماراً طيبة.. وكم من البيوت قد تحول من حالة العداء إلى حالة الولاء.. أو على الأقل إلى حالة من المودة والصداقة من خلال هذه اللقاءات.

إن هذه الأعمال من الصعب على أحد أن يتصورها على أن من يقوم بها شخص واحد ولا سيما أنها تت‏طلب ليناً من جهة وحزماً من جهة أخرى وهي تستوجب وقتاً مطولاً ومن أين يأتي بذلك ولكنها الحقيقة التي لا مجال لإنكارها.

ومن ي‏طلع على أخلاقية أهل البيت (ع) يجد الجواب على ذلك ويدرك أن هذا المنتسب إلى رسول الله (ص) بنسبه قد انتسب إليه بعمله أيضاً.

لقد وصل إلى أكثر قرى الجنوب المحرر ولعله لم تبق حسينية في هذه المن‏طقة إلا وتكلم فيها ونستطيع أن نقول واثقين.. أنه لم يبق مسجد من مساجد القرى إلا ودخله السيد الشهيد... ينال البركة من بيت الله من جهة ويتحين الفرصة للقاء مجموعة من المصلين.. يتعرف عليهم من جهة أخرى.

ولعل الكثير من المؤمنين في هذه المنطقة.. تعرفوا عليه من خلال هذه الزيارات المفاجئة للمساجد.. لقد كان بودهم أن يذهبوا إليه ليتعرفوا عليه عن قرب بعد أن سمعوا به ولكنه كان هو المبادر إليهم.

لم يكن ليفكر لحظة في أن ينتظر الناس ليأتوا إليه.. وهذه نقطة عرفها فيه كل من عايشه في أي مرحلة من مراحل حياته، سواء عندما كان طالباً للعلم، أو أستاذاً مربياً في الحوزة، أو مرشداً للناس أو قائماً على خدمة المجاهدين في نظره كان الواجب أن يذهب هو إلى الآخرين.. وإذا حصل أن جاءه الآخرون فهذا يعتبره على خلاف الأصل.

مع رجال الدين والعلماء
ثمة نقطة في غاية الأهمية عند السيد الشهيد لا بد من إيضاحها وتسليط الضوء عليها، فلقد كان شديد التركيز على التعامل مع علماء الدين، والتواصل معهم وعدم القطيعة بحقهم.

كان من جهة يذكر الأخوة المجاهدين بضرورة أن يتواصلوا مع العلماء في قراهم.. ومن جهة أخرى كان نفسه يسعى لإحداث هذا التواصل بين العلماء وبين جمهور المقاومة.

ولا نريد أن نحمل أحداً مسؤولية الفصل الذي حصل في ظروف معينة.. فهناك أوضاع متعددة نجم عنها حدوث نوع من التباين في وجهات النظر بين البعض من العلماء وبين بعض الأخوة المجاهدين في المقاومة. فكان عمل السيد في تلك المرحلة لأجل ضرورة التركيز على أن يكون هناك تكامل بين الحقل العلمائي من جهة وحقل العمل الجهادي من جهة أخرى.

كان يعتبر أن الدخول إلى القرى لا بد أن يكون من أبوابها، وأبواب القرى هم العلماء الذين يسهرون على مصالح الناس.. فكان في هذا المجال حركة لا تهدأ على الإطلاق.

لقد عرف العلماء في القرى من خلال هذا السيد في لقاءاته معهم أن المقاومة أمانة في أعناقهم يجب أن يحفظوها ويدافعوا عنها بكل ما أوتوا من قوة، كما عرف المجاهدون في المقاومة من خلاله أن العلماء هم الذخيرة التي يجب الاعتماد عليها لتهيئة الأجيال الصالحة.. وأنه إذا لم يكن لهؤلاء دور في التربية فلن نحصل على مجتمع سليم. وهذه القناعة لم تكن أمراً مبالغاً فيه بل هي الحقيقة التي أثبتت مصداقيتها في أوساط كل الناس في المناطق اللبنانية.

لقد تحولت الأعمال التي كان يبدو فيها شي‏ء من التنافر سببته ظروف مختلفة إلى أعمال يشد بعضها بعضاً ويكمل بعضها بعضاً... من خلال تلك الأنش‏طة التي مارسها السيد في حياته.. ومن خلال علاقاته، فلا تجد عالماً من علماء جبل عامل إلا وكان للسيد عباس الموسوي معه أكثر من لقاء.. ولقد تمكن من خلال ذلك من جعل جماهير الناس الذين ارتب‏طوا به يستفيدون من بركة العلماء... سواء في مجال التجمعات العلمائية التي كان له أثر كبير في إيجادها وتفعيل دورها في المجتمع... حيث إن جمعاً من العلماء والأجلاء كان لهم حضورهم في هذه التجمعات.. أو في المجالات الأخرى حيث يكون للعالم دوره في مسجده وقريته التي يعمل فيها من دون الانتماء إلى أي تجمع من التجمعات.

لم تكن عقلية "أن هذا التجمع لنا ويجب أن نجعل فيه كل العلماء" واردة عنده على الإطلاق فإن المطلوب من هذا العالم أو ذاك أن يقوم بدوره التبليغي في إرشاد الناس وتوجيههم نحو الخير والصلاح فلم يسع إلى جذب أحد من العلماء ليكون "في اليد" بل إن عنده رسالة يؤديها تجاه هذا الجمع المبارك من أهل العلم وهي أن يكونوا في موقع المسؤولية حقاً وصدقاً وبمقدار الأمانة التي جعلها الله تعالى في أعناقهم. فإذا وصلوا إلى ذلك وتمكن العالم من توجيه الناس وإرشادهم فقد وصل إلى الم‏طلوب.

وهو في عمله التوفيقي لم يكن منطلقاً من من‏طلقات سياسية أو من ضرورات فرضتها ظروف خاصة فحسب وإنما كان حريصاً على الوضع العلمائي لأنه كان شديد التقدير والاحترام للعلماء.. فأهل العلم بنظره يستحقون ذلك.

وقد يحدث أن يأتي لزيارته بعض العلماء في وقت غير مناسب بالنسبة إليه كأن يكون منهمكاً بالتحضير لخ‏طبة أو مشغولاً بجلسة أو بحل مشكلة أو ما شابه ذلك، فكان المرافقون يخبرون الوفد الزائر، أو الشخص القادم من هؤلاء العلماء بعدم إمكانية لقائه بسبب انهماكه.. ثم يعلم هو بعد ذلك فيعاقب المرافقين وي‏طلب منهم أن لا يردوا أحداً من العلماء وفي أي ظرف من الظروف، ويفهم المرافقون ويلبون له هذا الطلب مع أنه يقع في كثير من الأحيان في حرج شديد كما هو الحال في التحضير لكلمة في احتفال أو في خطبة الجمعة.. فكان يقول:

"أمري لله.. والله يفتحها بوجهي..".

وفعلاً يسلم أمره إلى الله تعالى.

وأحياناً كانوا يأتون إليه وهو على وشك الذهاب إلى مهمة ما.. فإن لم يمكن التأجيل كان يعرض عليهم أن يكونوا رفقاء في هذه المهمة.. فالمهم عنده أن لا يشعر هؤلاء العلماء بأي انزعاج فعند ذلك يكون مبلغ سروره.

وهذا ليس تعصباً منه لأبناء صنفه كما كان البعض يتخيل... بل إنها حصيلة نظرة كونها عن العلماء وأثرهم في الحركة الإسلامية والمجتمع الإسلامي.

وهذا ما كان يلاحظه من خلال سيرة الإمام الخميني قدس سره الشريف حيث يتعدى احترامه للعلماء التقاليد المتبعة.. إلى معرفة القيمة الحقيقية لهؤلاء وما الذي يمكن أن يقدموه للأمة...

وإذا كان هناك من سلبيات قد تحصل من البعض منهم فهذا لا يجوز أن يكون داعياً إلى التعميم على الجميع من جهة، بل ولا يحق معه حتى أن نعامل أولئك الذين صدرت منهم بعض تلك السلبيات بالمثل لأن في ذلك تعريضاً لمقدّسات الإسلام للخ‏طر.

ولعل المطلع على بعض خصوصيات السيد الشهيد كان يدرك تماماً أنه لا يلتفت أصلاً إلى بعض الأخطاء التي تصدر من هذا أو ذاك من العلماء بحقه ولا يع‏طيها أي مجال في تفكيره أبداً... وهذا ما ربى عليه نفسه وأمر طلابه ومن حوله أن يكونوا كذلك.. وكان إذا قيل له أن فلاناً من العلماء يقول كذا وكذا، كان يقول: أنتم لا تعرفون هؤلاء جيداً، فهؤلاء أصحاب سيرة طيبة خفيت عليكم.

إنها مسيرة الإمام الخميني المقدس في التعامل مع مثل هذه الحالات وهذا نراه جلياً في سيرته الشريفة وأثبت أن القضية ليست عبارة عن خلق كريم فحسب وإن كان هذا بحد ذاته أمراً في غاية الأهمية ولكن القضية في الواقع تشكل معرفة معمقة بقضية كبيرة من قضايا الإسلام.. نتجت عن إخلاص وانقطاع إلى الله تعالى الذي يلهم المخلصين والسائرين إليه.
مع المجاهدين
إن المقاومة عند السيد الشهيد لم تكن عبارة عن سلاح.. فالسلاح مهما بلغ أثره وأهميته فإنه يكون عاملاً مساعداً في مقاومة الاحتلال.. بل أن ركن المقاومة هو هذا المجاهد الذي يحتاج إلى شي‏ء من المقومات الضرورية والملحة.

ولقد تمكن حزب الله في معالجة هذه المسألة بشكل أو بآخر.. ولكن بقيت أشياء لا يستطيع التنظيم أن يحلها لأنها ليست من نوع المشاكل التنظيمية أو ما شابه.

إن ما أخذه هذا السيد على عاتقه هو استقصاء حال المجاهدين حتى لا يعيشوا بعض المشاكل التي يمكن أن تشكل عائقاً دون عملهم الجهادي فكان يسأل عن بعض الخصوصيات.. ويحمل نفسه مسؤولية معالجة ما تحرى عنه.

وقد يمضي عليه وقت لم ير فيه بعض الأخوة.. فكان يسارع إلى السؤال عنهم... ولربما ذهب إليهم للاطلاع المباشر على أحوالهم...

فهؤلاء المجاهدون هم الذين حملوا الهم في قلوبهم.. فإن أقل الوفاء لهم كما يقول هو أن نكون معهم في ساعة العسرة... فنحن لا نريد أن نجمع آليات ومدافع... فلقد كان هؤلاء بلا مدافع ولا آليات فيما مضى وتمكنوا في صنع المعجزات.. فهؤلاء هم الذين يصنعون المعجزات.

ولم يكن ليكتفي باللقاء مع المجاهدين في محاور المقاومة... فإن هذه المحاور لها همومها وتكاليفها الخاصة.. وليست مجالاً لتطرح فيها المشاكل المختلفة، كما أن اللقاءات العامة التي كان يلتقي فيها بهم كانت مناسبات للحديث في مشاكل عامة مختلفة.. فتبقى القضايا الخاصة بهؤلاء بلا بحث وبلا حل... وهذا ما يمكن أن ينتج عنه في النهاية نتائج سلبية.

نحن نحتاج إلى رجال لتحمل السلاح أكثر من حاجتنا إلى السلاح.. والتاريخ الذي عاشته المنطقة كان شاهداً على ذلك.

كانت هناك أيام خاصة في مركزه في صور يستقبل فيها الأخوة ويتحدث معهم بما يطرحونه من قضايا. وربما عرضت بعض المشاكل... وربما تعددت مشاكل الأخوة ويحصل أن يتعرض أخ من هؤلاء لأكثر من مشكلة.. فإنه قد يقوم باستنطاقه ليعالج معه ما ألم به.

ولا ندعي بأنه كان قادراً على استيعاب كل ذلك العدد من مشاكل الأخوة وما أكثرها وعلى حلها بعد ذلك بأكملها... ولكن نقول بأن هناك جزءاً منها يمكن حلّه، ويبقى الآخر من دون حل... وهذا أفضل بكثير من أن لا يفعل شيئاً لأولئك الذين أعطوا لأمتهم كل شي‏ء.

وكان ينطلق في كثير من الحالات من الزاوية التي عرفها فيه الجميع في مختلف المواقع والأماكن.. وهي أن المشكلة إذا بقيت مع حاملها يحاول معالجتها وحده فلا يستطيع.. فإنها قد تساهم في إحباطه وجعله خائر القوى.. بينما إذا وجد من يتحدث معه حولها فإن ذلك يمكن أن يخفف عنه.

وكان يقول في هذا الصدد: إن أكثر من نصف المشاكل التي يعاني منها الأخوة تحل بأن يطرحوها على أحد.. فإذا فعلوا ذلك فقد وصلنا إلى معالجة عدد لايستهان به منها.. لذلك فالم‏طلوب منا أن نفتح قلوبنا للآخرين.

وكان الكثيرون يستغربون منه تلك القدرة على التحمل فهو يست‏طيع أن يجلس ساعات متواصلة يستمع إلى الآخرين من دون أن يبدو عليه أي امتعاض على الإطلاق.

وإذا فرضنا أنه لم يتوصل إلى حل ما عرض له فإنه يبقي نفسه شريكاً مع الطرف الآخر في حمله لتلك المشكلة إلى ما شاء الله.

وكان ذلك الطرف يخرج راضياً لأنه وضع مسألته في يد أمينة وليكن ما يكون فيما بعد، فالمهم أنه وجد قلباً كبيراً تمكن من احتوائه.

ولربما لم يكن يخطر ببال البعض أن يعرض ما يعيش في قلبه على أحد.. ولكن بعد أن سكنت نفسه واطمأنت لذلك العالم.. سعى إلى الافصاح عما يختلج في صدره من الهموم والمشاكل.


التعبئة والعمليات العسكرية
[size=16]في تلك المرحلة كما ذكرنا حفلت المنطقة بالعمليات النوعية للمقاومة الإسلامية.. وكانت تربطه بقادة تلك العمليات علاقات متميزة أراد من خلالها أن يحملوا معه ما يست‏طيعون من تكاليف.

لقد كان يحلم منذ البداية بأن تشارك أعداد كبيرة في العمليات العسكرية.. وكان يريد لأفراد التعبئة العامة للمستضعفين أن يأخذوا دورهم في مواجهة العدو الصهيوني. فهؤلاء الأفراد يمتلكون الكفاءة والمقدرة على القتال بشكل عام.. وإذا لم يكن عند بعضهم القدرة على ذلك كان ينبغي أن تؤمن لهم دورة عسكرية ليكونوا قادرين على المهمة.

وكان السيد رضوان الله عليه في تلك المرحلة ينسق مع الجهات المعنية من أجل تفعيل هذا العمل والحصول على النتائج السريعة.. والمدروسة في آن.

وإشراك التعبئة في عمليات المقاومة كان له دور كبير في رفد الحركة الجهادية بالقوة الشعبية.

صحيح أن المقاومة الإسلامية تمتلك نخبة لا يستهان بها من المجاهدين الذين حطموا أسطورة جيش العدو.. وهؤلاء تشكلت منهم فيما بعد القوى الخاصة في المقاومة.. ولكننا لا نتحدث عن الجانب العسكري فحسب بل نضيف إليه الحديث عن الجانب الذي كان يعيش في قلب السيد الشهيد والذي يريد له أن يكون عنواناً متميزاً.. وهو إشراك أفراد الأمة بأسرهم في العمل الجهادي.. وكان أفراد التعبئة القادرون على القتال هم البداية ويمكن فيما بعد أن ينضم إليهم من هم كبار في السن ويكونوا حيث القدرة على أن يقدموا شيئاً للمقاومة والمجاهدين. هذا بالإضافة إلى أن كثيراً من أفراد التعبئة هم في الحقيقة مقاتلون أشداء خاضوا الأهوال من قبل ولكن حكمت عليهم ظروفهم أن لا يتفرغوا للعمل الجهادي المسلح.. فلا يجوز أن يحرم هؤلاء من المشاركة عندما يسمح لهم الظرف بذلك.

ولا شك عند السيد وعند قادة المقاومة وحتى عند أفراد التعبئة العامة أنفسهم بأن هناك تفاوتاً بين أداء قوى النخبة إذا كانت وحدها تقاتل وبينها إذا ضم إليها من هو دونها من الكفاءة.. ولكن هذا جزء من القضية... ولا يجوز الحكم على جزء من القضية وإنما يجب النظر إلى مختلف الجوانب ثم الحكم عليها بالكامل.

إن النقلة النوعية للمقاومة الإسلامية في تلك المرحلة اليسيرة كان يدل دلالة واضحة على أن هناك مورداً شعبياً غير عادي لها وكان إشراك أفراد التعبئة سبباً قوياً في ذلك. وقد يتصور البعض بأن هذا من شأنه أن يعرض المقاومة لخسائر أكبر..

إلا أن هذا التصور في غير محله.. فإن حسن التخطيط الدقيق يجنب المقاومة الخسائر، ولا سيما أن القيمين على هذا العمل هم أحرص الناس على أرواح المجاهدين.

وكم كانت فرحة السيد الشهيد عندما يشرف على بعض العمليات التي يشارك فيها عدة مئات من الأفراد من جميع الإختصاصات... ويكون أفراد التعبئة العامة للمستضعفين هم النسبة الأكبر من المشاركين.

لقد خطا بهذا العمل خطوة سريعة نحو إشراك الأمة بكاملها في العمل المقاوم وهذا ما أثبت فاعليته في تقوية المقاومة، لأن المقاومة المعتمدة على النخبة وحدها سوف تبقى مقاومة النخبة التي يمكن أن تتعرض لأي مستوى من الخسائر مما يؤدي إلى ضعفهما بالتدريج.. بينما إذا اعتمدت على مختلف القوى وتحت إشراف النخبة فسوف لن تضعف ولن تتراجع حتى عندما تتعرض للخسائر... فإن هذه الخسائر إذا وقعت فمن زاوية معينة ولكنها إذا أخذت من زاوية أخرى فإنها تمثل زيادة في النتيجة ونماءً في العمل.

ولا يدرك هذه الحقيقة إلا من كانت نظرته إلى الأمور نظرة كلية...

ولعلَّ هذه إحدى النقاط التي طالما اعترض عليها البعض في البداية ولكنهم أدركوا صوابيتها فيما بعد.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
عاشق الشهادة
عـضـو نـشـيـط
عـضـو نـشـيـط
avatar

عدد الرسائل : 63
العمر : 27
الجنسية : لبناني
الجنس : ذكر
المهنة : مجاهد
تاريخ التسجيل : 06/08/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الثلاثاء 18 أغسطس 2009, 23:12

[/size]مع الشهداء الأبرار
ولا شك أن هناك ضريبة يجب أن تدفع في هذا المجال.. فنحن نخوض حرباً ضروساً ضد أعتى قوة في المنطقة، وهذه القوة قد نزلت بها الخسائر فإذا قدمنا جزءاً من الخسائر فهذا أمر منطقي.

وأما المنطق الذي كان يقول بأن نزول الخسائر هو دليل عدم صوابية الموقف... أو دليل على وجود خلل ما... فإن هذا منطق عقيم.. وإلا فكيف يسق‏ط الشهداء بين يدي أعظم قائد بشري وهو رسول الله (ص) ...

وكان السيد رحمه الله كثير الاستشهاد في هذا المجال بكلام أمير المؤمنين (ع) عندما يتكلم عن مرحلة عصيبة من مراحل الصراع مع المشركين.

"ولقد كان الرجل منا والآخر من عدونا يتصاولان تصاول الفحلين يخالسان أنفسهما أيهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من لعدونا ومرة عدونا منا".

إن الحديث على أن سقوط الشهداء أمر سلبي... لم يكن مقبولاً عنده بأي شكل من الأشكال، فأولاً هناك خسائر عند عدونا وبالتالي على أساس القاعدة القرآنية:

(
إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون).

لا يبقى هناك مجال للحديث عن الخسائر من طرف واحد ولا سيما بعد أن نأخذ الجانب الاعتقادي الذي هو أساس بعين الاعتبار.

وثانياً لأن هؤلاء الشهداء لم يسق‏طوا في ظروف غامضة ليكون لهم تأثير سلبي على أبناء الأمة.. بل إنهم يسقطون في معارك الشرف والمواجهة وبالتالي فإن أي واحد منهم كان يترك مكانه فسوف نجد أكثر من واحد من أجل سد الفراغ الحاصل.

وما على الذي يشكك في هذه الحالة إلا أن يراجع وضعية قرانا التي كانت قبل سقوط الشهداء حيث كانت في موضع... ثم صارت بعد هؤلاء الشهداء في موضع آخر لجهة سموها وتعاليها بالشهداء من أبنائها.

ولا سيما إذا أخذنا مسألة أساسية بعين الاعتبار وهي أن الذي يختار هؤلاء الشهداء هو الله تعالى.. فهو الذي بيده من؟ ومتى؟ وكيف؟ وأين؟ يمكن لهؤلاء الشهداء أن يسقطوا. ولا يستطيع أحد على الإطلاق أن يدعي محبة هؤلاء الشهداء الأبرار أكثر من سيد شهداء المقاومة، فهو معهم في حلهم وترحالهم وفي مواقع الشرف والمواجهة وبالتالي هو أحرص عليهم من أقرب الناس إليهم...

ومع ذلك فعندما يسقط بعض المجاهدين شهداء فإنه يسلم الأمر إلى الله تعالى لأن هؤلاء وصلوا إلى أهدافهم حتى عندما يسقط عدد كبير من الشهداء في معركة واحدة.. كما حصل في عملية علمان الشومرية حيث سقط للمقاومة الإسلامية يومها ثمانية عشر شهيداً، لم يستطع البعض أن يتحمل هذه الخسارة... ولكن ردة فعل السيد كانت كما أسلفنا على رغم المعرفة المعمقة بأولئك الشهداء الأبرار وعلى رأسهم قائد العملية الشهيد أحمد شعيب رضوان الله عليه الذي كانت تربطه به علاقة خاصَّة ومميزة.

إنه كان ينطلق في تصوره للعمل المقاوم إن هذا العمل سوف يحقق في طريقه مجموعة من الانجازات الكبيرة التي تكتب للأمة الكثير من عوامل النجاح. ولكنها في طريقها أيضاً لا بد من التضحية... وهذه ليست ضريبة فحسب، بل إنها سبب لاستيقاظ كثير ممن لم يستيقظوا بعد.

وبين الانتصار من جهة، والشهادة والشهداء من جهة أخرى تبدأ نقطة التحول بالاتساع شيئاً فشيئاً إلى أن تشمل أكثر أوساط الأمة. نعم قد يكون هناك شهداء سقطوا بسبب تقصير في رسم الخطة.. أو في تقدير خاطى‏ء لحجم العدو أو ما شابه فهذه ثغرة يجب أن تعالج.. ولكن مع ذلك فإن هذا لا يخفف من الأثر المميز لشهادة الشهداء في داخل أفراد المجتمع.

إن من يعيش مع سيد شهداء المقاومة في تلك المرحلة يدرك أنه أمام شخص قد وضع الأمور في نصابها فلا يتفاجأ بانتصار إذا حصل لأن عوامل الانتصار موجودة، ولا يفاجأ بالشهداء الذين يسقطون لأنهم بعين الله.

وهو يريد الانتقام لهؤلاء الشهداء العظام من قتلة الأنبياء وأراد لكل من ارتبط بهؤلاء الشهداء بأي رابطة أن ينتقم من قاتليهم.

ولعل من شاهده في عملية "بدر الكبرى" التي كانت من أكبر العمليات حجماً وصدى حتى ذلك الحين... يدرك أي روح أراد السيد للأمة أن تعيشها..

لقد توجه إلى بلدة الشرقية وذلك بعد أن أشرف بشكل مباشر على العملية من جبل صافي مع المجاهدين وحين انتهت العملية ذهب مع الأخوة وأمامهم الآلية العسكرية التي غنموها من العدو .. وتوجه إلى والد الشهيد أحمد شعيب.. يقول له إن دماء الشهداء لا تذهب هدراً وكان جو الحماس لا يوصف حيث اختلط الانتصار بعبق الشهادة فتولد هذا الجو الذي شعر المؤمنون معه بأن قدرة الله تعالى تقاتل معهم وأن هذه المقاومة تسير فعلاً نحو تحقيق المجد لهذه الأمة المضحية وبسرعة كبيرة.

لقد بدأ القصف على الشرقية.. وها هي القذائف تنهمر على البلدة ولكن الناس الذين تفاعلوا مع السيد الشهيد وما أوجده من أجواء مميزة لم يشاؤوا أن يتفرقوا... إلا أنه أصر عليهم بأن يفوتوا الفرصة على العدو.. ولا يدعوه يعوض شيئاً من خسائره التي تكبدها في المعركة... فتفرق الناس بعد أن عاشوا هذه اللحظات المؤثرة.. التي كان السيد قد وعدهم بها منذ سقط الشهيد أحمد وأخوته... حيث كان لا ينقطع عن التواصل مع عوائل الشهداء ولا سيما في هذه البلدة المجاهدة.

عاش الجنوب بكامله أصداء هذه العمليات الموفقة في تلك المرحلة فكانت تبعث الأمل الكبير في أبنائه وأبناء الوطن بكامله... كما عاش الجنوب وبقية الوطن من خلال حياة الشهداء الأبرار الذين أيقظوا الجموع ووضعوهم أمام مسؤولياتهم الجسام.

صحيح أنها خسارة كبيرة للجميع وخصوصاً للسيد الذي فقد مجموعة من الأحبة في هذه القافلة النورانية وعلى رأسهم الشهيد سمير مطوط وأحمد شعيب.. اللذان كانت تربطه بهما علاقة غير عادية وكان يرى فيهما أملاً كبيراً للمستقبل.

ولكن المهم في الأمر أن دمائهما وبقية الأخوة سالت حيث ينبغي أن تسيل... وعلى هذا فإن من زرع دماءه حيث يجب فإن الزرع لا بد من أن يثمر ولا بد من مجي‏ء من يحصد الزرع في نهاية المطاف.
بداية الانتفاضة في الداخل الفلس‏طيني
وإذا أردنا أن نكون على قدر المسؤولية في تعاطينا مع التاريخ.. فيجب أن نعطي للمقاومة حقها في ما تمكنت من أحداثه من آثار ونتائج في محيطها المباشر وغير المباشر.

إن الانسحاب الإسرائيلي سنة 1985قد فتح الأعين على ما كان يجري في جبل عامل من مواجهات ضد جيش الاحتلال، ولكن تلك المرحلة الممتدة من سنة 1985حتى سنة 1987كان لها الأثر الكبير في بث روح الجهاد في أوصال الأمة.

وكانت سنة 1987سنة مميزة في تاريخ المقاومة تمكنت خلالها من السير من انتصار إلى انتصار وفرضت نفسها بقوة في ميدان القتال كإحدى أبرز حركات التحرر في العالم.

هذا الأمر جعل شعوب العالم تنظر إلى هذه المقاومة بتقدير واحترام ولا سيما أنها لا تملك المقومات المادية للمواجهة.

وكان للمنطقة المحتلة منذ سنة 1967حصة كبيرة في التفاعل مع هذه المقاومة، فكان أن بدأ عهد جديد فيها حاول العدو الإسرائيلي أن يخنقه في مهده فلم يفلح ثم أخذ ينمو بالتدريج شيئاً فشيئاً حتى فرض نفسه في أرض الواقع... فكان فجر الانتفاضة.

لقد عبر العدو على لسان أحد قادته آنذاك: "إننا نشهد في هذه المناطق (الضفة والقطاع) شيئاً شبيهاً لما كنا نشهده في جنوب لبنان".

إنها الحقيقة التي وجدت إسرائيل نفسها مضطرة أخيراً إلى الاعتراف بها، وذلك على رغم محاولات كثيرة في البداية لتصوير ما يحصل بأنه أعمال شغب ليس إلا.

لقد حاول ياسر عرفات ومن معه من أركان الاستسلام أن يصوروا هذه الانتفاضة الحاصلة في الأراضي المحتلة على أنها بتوجيههم وهم يرسمون لها البداية والنهاية... ولم يكونوا يريدون من خلال ذلك إلا ركوب الموجة والاستفادة من هذه الانتفاضة لتحصيل بعض المكاسب السياسية القريبة.

إن التلاحم والتواصل بين المقاومة الإسلامية في لبنان وبين الانتفاضة في فلسطين... والذي ازداد يوماً بعد يوم... كشف عن حقيقة الارتباط... وكيف تمكنت هذه الجماهير في داخل فلسطين المحتلة من الاستفادة من تجربة المجاهدين في لبنان لتصنع مجدها بنفسها وليس من خلال ما يريده لها الآخرون.

وهنا نتذكر سيد شهداء المقاومة الذي كان يشير إلى مدى ما يمكن أن تفعله المقاومة لشعبها ولشعوب العالم الإسلامي بشكل عام من خلال عملها الجهادي.

إن المقاومة في ذلك الوقت على رغم أنها كانت لا تزال في بداياتها كانت تحمل بنظره بذور التغيير للمنطقة ككل، لقد كان في هذا ينظر إلى المستقبل وهو يرى بالفعل أن المقاومة تسير نحو المستقبل الباهر الذي من خلاله تست‏طيع أن تبعث النهضة في مختلف مناطقنا.. بل في أرجاء العالم الإسلامي.

لقد كان ينطلق في نظرته هذه من خلال تجربة الإمام الخميني قدس سره الشريف.. وذلك إن نفس حركة الإمام لم تكن تحمل العوامل المادية للانتصار... ولكن عوامل الانتصار الحقيقية كانت موجودة فيها.. فلا بد من انتصارها.

وانتصرت الثورة.. بل ولم تكتفِ بالإنتصار في بقعة معينة من الأرض وإنما شاء الله تعالى لهذه الثورة أن تعم بركاتها مختلف أرجاء المعمورة.

وها هي المقاومة إحدى بركات هذه الثورة... ولئن كان البعض يتصورون أن هذه المقاومة سوف لن يكتب لها النجاح في ما يلي من الزمان فإن السيد كما ذكرنا كان شديد الايمان بأن هذه المقاومة لن تنتصر وحسب وإنما سيكتب لها إيقاظ العالم الإسلامي واستنهاضه.

ولذلك عندما بدأت الانتفاضة لم يكن ذلك أمراً غريباً بالنسبة إليه بل كان أمراً منسجماً مع منطق الواقع الجديد.

نعم لقد شعر بنعمة الله تعالى الكبرى على هذه الجموع التي بدأت تأخذ شكل الأمة شيئاً فشيئاً... فصارت أجزاؤها تتفاعل مع بعضها البعض ولا بد من زيادة التفاعل بالتدريج حتى تصبح فعلاً أمة موحدة بما للكلمة من معنى ومتى تسير في المستقبل بخ‏طى ثابتة نحو أهدافها الواحدة.

والذين لم يكونوا يعرفون ما الذي كان يفكر به السيد عباس الموسوي بشأن الانتفاضة.. وأي شي‏ء كان يربطه بها... فما عليه إلا أن يتعرف على العلاقة الحميمة التي ربطت بينه وبين المجاهدين من قادة الحركة الداخلية في فلسطين المحتلة قاطبة... وبالأخص حركة حماس، وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين... وكيف كانت درجة التفاعل بين هذه القوى الفلسطينية وبين المقاومة الإسلامية في لبنان... وكيف ارتب‏ط السيد عباس الموسوي بشكل خاص مع الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي الذي كان له رأيه الخاص والمتميز بالسيد الشهيد... فهو عرف فلسطين من خلاله كما عبر هو عن ذلك... ففلسطين كانت تعيش في قلب السيد عباس. وعندما تعرف عليه وجد أنَّه أكثر انتماءً منه إلى فلسطين...

وكم كانت خسارة فلسطين عندما سقط الشهيد فيما بعد....

إن من يقرأ التاريخ ويريد أن يسبر أغواره... لا يجوز أن يمر على الأحداث التاريخية منفصلة عن بعضها البعض... ومن دون أن يمر على هؤلاء الذين وصلت مشاعرهم إلى هذا المستوى. قد لا تكون الانتفاضة هدفاً مباشراً.. ولا نريد أن نحمل المسألة أكثر مما تتحمل... ولكن الفصل بين القضيتين أمر فيه الكثير من الإجحاف والابتعاد عن الحقيقة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
ola
مشرفة منتدى المواضيع العامة
مشرفة منتدى المواضيع العامة
avatar

عدد الرسائل : 281
العمر : 33
الجنسية : lebanese
الجنس : female
المهنة : laboratory clinic
تاريخ التسجيل : 24/01/2009

مُساهمةموضوع: رد: السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي   الجمعة 21 أغسطس 2009, 16:40

thx.it is really nice subject

_________________
ola[b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
السيرة الذاتية لسيد شهداء المقاومةالاسلامية سماحة السيدعباس الموسوي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: * ( المنتديات العامة ) * :: منتدى المواضيع العامة-
انتقل الى: